أحمد بن محمود السيواسي

140

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 42 ] لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 42 ) ثم قال للنبي عليه السّلام في شأن المنافقين ( لَوْ كانَ ) أي الذي « 1 » تدعوهم إليه لعلة الجهاد ( عَرَضاً قَرِيباً ) أي غنيمة سهل المنال ، والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ( وَسَفَراً قاصِداً ) أي وسطا سهلا ( لَاتَّبَعُوكَ ) ولم يتخلفوا عنك ( وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ) بضم الشين ، أي المسافة الشاقة التي يقصدونها في السفر ( وَسَيَحْلِفُونَ ) أي المتخلفون بالقعود عن الجهاد ( بِاللَّهِ ) يقولون ( لَوِ اسْتَطَعْنا ) أي لو قدرنا بسعة المال والزاد ( لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ) وهو ساد مسد جواب القسم ، ولو ( يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ) أي بحلفهم الكاذب ، حال من فاعل « سَيَحْلِفُونَ » ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) [ 42 ] في حلفهم ، لأن لهم سعة للخروج ، ولكنهم لم يريدوه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 43 ] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) قوله ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ) نزل حين استأذن بعض من المنافقين رسول اللّه أن يتخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك ولم يكن لهم عذر ، فأذن لهم به « 2 » ، فقال تعالى مقدما العفو على العتاب « 3 » تطييبا لقلبه عليه السّلام محا اللّه عن ذنوبك أو أدام لك العفو يا سليم القلب ( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) بالتخلف هلا أخرتهم ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ ) أي يظهر ( لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) في عذرهم وحلفهم ( وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ) [ 43 ] فيهما ، ف « حَتَّى » متعلق بالمحذوف وهو أخرتهم ، ولا يجوز تعلقه ب « أَذِنْتَ » ، لأنه يلزم أن يكون اذن لهم إلى غاية التبين والعلم وهو فاسد ، وإنما عاتبه مع اعتذارهم إليه عليه السّلام ، لأنه كان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم فقصروا في ذلك وعجل بالقبول . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 44 ] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) ثم بين له علامة الصادقين منهم والكاذبين بقوله ( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) في السر والعلانية في ( أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) لأجل « 4 » التخلف عنك ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) [ 44 ] أي بالمؤمنين المطيعين فيجازيهم بأجزل الثواب . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 45 ] إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) ( إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) سرا دون العلانية ( وَارْتابَتْ ) أي شكت ( قُلُوبُهُمْ ) في إيمانهم ( فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ ) أي في شكهم ونفاقهم ( يَتَرَدَّدُونَ ) [ 45 ] أي يتحيرون ، يعني الاستئذان للتخلف عن الجهاد صنعة المنافقين وعادتهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 46 ] وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) ( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ ) إلى الجهاد معك ( لَأَعَدُّوا لَهُ ) أي لهيئوا للجهاد ( عُدَّةً ) أي قوة من السلاح والزاد والكراع لأنفسهم ، فتركهم العدة دليل على إرادتهم التخلف المؤذن بالنفاق ، قوله ( وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ ) عطف على مقدر ، وهو ما خرجوا بإرادتهم في الحقيقة ولكن كره اللّه خروجهم لسوء نيتهم وخبث نفوسهم ( فَثَبَّطَهُمْ ) أي كسلهم ومنعهم عن الخروج لكون خروجهم مفسدة ( وَقِيلَ ) أي قال لهم الشيطان بوسوسته أو القول إذن الرسول عليه السّلام أو إلقاء اللّه في قلوبهم ذلك أو قال بعضهم لبعض ( اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ) [ 46 ] أي النساء والمرضى « 5 » والأطفال ، وهو ذم لهم وتعجيز عن عمل الرجال وإلحاق بالنساء والضعفاء أو للجبن « 6 » .

--> ( 1 ) أي الذي ، ب س : الذين ، م . ( 2 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 53 . ( 3 ) العتاب ، ب م : العقاب ، س . ( 4 ) لأجل ، ب م : إلى أجل ، س . ( 5 ) المرضى ، ب س : المريض ، م . ( 6 ) أو للجبن ، م : للجبن ، ب س .