أحمد بن محمود السيواسي
127
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وهم بنو كنانة وبنو ضمرة ، وقيل « من قوله « فَسِيحُوا » « 1 » ، أي فقولوا : سيحوا في الأرض إلا الذين عهدتم منهم ( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ) من عهودكم ( وَلَمْ يُظاهِرُوا ) أي لم يعاونوا ( عَلَيْكُمْ أَحَداً ) من المشركين ( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ) أي إلى تمام « 2 » أجلهم وكان قد بقي من عندهم تسعة أشهر ، يعني أدوه إليهم كملا ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) [ 4 ] من نقض العهد والوافين به . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 5 ] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) ( فَإِذَا انْسَلَخَ ) أي خرج ( الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ) التي حرمت دماء المشركين على المؤمنين فيها ، وهي الأشهر الأربعة المؤجلة لهم أو هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) الناكثين العهود ( حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) أي في الحل والحرم ( وَخُذُوهُمْ ) أي أسروهم « 3 » بشد الوثاق ( وَاحْصُرُوهُمْ ) أي احبسوهم في حصونهم إن لم تظفروا بهم أو امنعوهم عن البيت الحرام إن يدخلوا فيه ( وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) أي ترقبوهم في كل طريق وممر لتأخذوهم وتشدوهم بالوثاق ( فَإِنْ تابُوا ) من الشرك ( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) أي إن يقروا بإقامة الصلاة الواجبة ( وَآتَوُا الزَّكاةَ ) أي إن يقروا بأداء الزكاة المفروضة ( فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) أي اتركوهم ولا تقتلوهم فيدخلون مكة ويتصرفون في البلاد مثلكم ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ 5 ] يغفر لهم ما مضى من الذنوب ويرحمهم لإسلامهم وطاعتهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 6 ] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) قوله ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ) شرط ، و « أَحَدٌ » فاعل فعل محذوف ، لأن « إِنْ » لا يليها إلا الفعل لفظا أو تقديرا ، والدليل على حذفه « اسْتَجارَكَ » ، روي : أن رجلا من المشركين قال لعلي : إن أراد واحد منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأجل لسماع كلامه أو لحاجة من الحاجات أيقتل ؟ فقال : لا لقوله تعالى « وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ » الآية « 4 » ، فالمعنى : إن جاءك أحد من المشركين الذين أمروا بقتالهم بعد مضي الأشهر الحرم يطلب منك الأمان ( فَأَجِرْهُ ) أي فآمنه وإن لم يكن بينك وبينه ذمة وعهد ( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) أي قراءتك لكلام اللّه ، فيعلم ما له وما عليه من الشرائع في الإسلام ( ثُمَّ أَبْلِغْهُ ) أي أوصله ( مَأْمَنَهُ ) أي دار قومه وإن لم يسلم ، فان قاتلك بعده فقاتله ( ذلِكَ ) أي ما أمرتك به من الإجارة ( بِأَنَّهُمْ ) أي بسبب أنهم ( قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) [ 6 ] حكم اللّه ودينه فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا « 5 » ويفهموا كلام الحق ، ففيه دليل على أن حربيا لو دخل دار الإسلام بالأمان « 6 » يكون آمنا إلى أن يرجع إلى مأمنه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 7 ] كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 ) ثم قال مستفهما باستفهام الإنكار والتعجب ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ) أي لا عهد لهم عندهما ، يعني مستبعد ومستحيل أن يثبت لهم عهد ، فلا تطمعوا فيه منهم ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم ( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) عام الحديبية ، قيل : هم بنو كنانة وبنو ضمرة ، فإنهم لم ينقضوا العهد فتربصوا أمرهم باتمام عهدهم « 7 » ( فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ ) أي فما داموا على وفاء العهد بكم ( فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) بالوفاء على التمام ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) [ 7 ] ربهم أن يقضوا العهد .
--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 181 . ( 2 ) تمام ، ب س : إتمام ، م . ( 3 ) أسروهم ، س م : إئسروهم ، ب . ( 4 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 34 . ( 5 ) حتى يسمعوا ، ب س : حين سمعوا ، م . ( 6 ) بالأمان ، ب م : بأمان ، س . ( 7 ) وهذا منقول عن السمرقندي ، 2 / 34 .