أحمد بن محمود السيواسي

128

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 8 إلى 9 ] كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 ) ثم كرر الاستفهام لزيادة الاستبعاد لثبات المشركين على العهد ، وحذف فعل الاستفهام لكونه معلوما عما قبله ، فقال ( كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا ) أي كيف يكون لهم عهد وحالهم أنهم إن يغلبوا ( عَلَيْكُمْ ) ويظفروا بكم ( لا يَرْقُبُوا ) أي لم ينظروا ولم يحفظوا ( فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) أي قرابة ولا عهدا ، وقيل ال « إل » بمعنى الإله « 1 » ، أي لا يترقبوا اللّه ولا عهده « 2 » قوله ( يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) كلام مستأنف لبيان حالهم من مخالفة الظاهر والباطن ، أي يظهرون لكم الجميل بألسنتهم كالمنافقين ( وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ ) الإيمان والطاعة ، أي ويضمرون في صدورهم الكفر والمعصية ، ولا يجوز أن يكون حالا لفساد المعنى ، لأنهم بعد أن يظفروا بكم ولا يرضونكم أصلا ( وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) [ 8 ] بنقض العهد وغيره وقيد « الأكثر » ، لأن منهم من وفى به ( اشْتَرَوْا ) أي استبدلوا ( بِآياتِ اللَّهِ ) أي بالقرآن ( ثَمَناً قَلِيلًا ) من حطام الدنيا ونيل الشهوات ، وذلك : أن أبا سفيان من المشركين كان يطعم الطعام ناقضي العهد منهم ، ويعطي مالا كالناقة وغيرها ليصد بذلك الناس عن متابعة النبي عليه السّلام « 3 » ، وقيل : نزلت الآية في اليهود الذين كتموا صفة النبي عليه السّلام في كتابهم بشيء من الأكلة يأخذونه من سفلتهم « 4 » ( فَصَدُّوا ) الناس ( عَنْ سَبِيلِهِ ) أي عن دين الإسلام ( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 9 ] من صدهم الناس عن دين اللّه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 10 ] لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 ) ثم كرر بيان نقضهم العهد تأكيدا لعداوتهم المؤمنين بقوله ( لا يَرْقُبُونَ ) أي لا يحفظون ( فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) أي قرابة ولا عهدا ( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) [ 10 ] أي المجاوزون الغاية في الظلم بترك أمر اللّه ونقض العهد الذي بينهم وبين المؤمنين ، يعني لا تغفلوا عنهم فإنهم إذا ظفروا بكم لا يرحمونكم لغاية ظلمهم وكفرهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 11 ] فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 11 ) ( فَإِنْ تابُوا ) من الكفر وآمنوا ( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ ) أي فهم مؤمنون مثلكم ( فِي الدِّينِ ) فلهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، قال ابن عباس : « حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة » « 5 » ( وَنُفَصِّلُ الْآياتِ ) أي نبين أحكام القرآن ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [ 11 ] أنها من اللّه وهو حث على تأمل ما فصله من أحكام المحافظين على العهود والناقضين لها ، كأنه قال من تأمل نفصيل الآيات فهو العالم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 12 ] وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ( 12 ) ( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ) أي إن نقضوا « 6 » عهودهم التي أظهروها ( مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) بكم قبل أجله أو رجعوا عن توبتهم ومواخاتكم في الدين ( وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ) أي عابوا دينكم الإسلام ( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ) بتحقيق الهمزتين على الأصل ، وبه مع إدخال ألف بينهما تخفيفا ، وبهمزة واحدة بعدها ياء مكسورة بكسرة خفيفة لاستثقال الهمزتين في كلمة واحدة « 7 » ، جمع إمام كعماد وأعمدة ، والمراد المتمردون في الشرك الذين يقولون أن دين محمد ليس بشيء بعد علمهم أنه حق ، والأصل فقالوهم وضع « أَئِمَّةَ الْكُفْرِ » موضع ضميرهم إشعارا بتمردهم وطغيانهم في الكفر بسبب نكثهم العهد في حال الشرك ( إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ ) بفتح الهمزة ، أي لا

--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 183 . ( 2 ) ولا عهده قوله ، س : ولا عهدا ، ب م . ( 3 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 35 . ( 4 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 2 / 35 . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 13 . ( 6 ) أي إن نقضوا ، ب : أي نقضوا ، ب م . ( 7 ) « أئمة » : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ورويس بتسهيل الثانية بلا إدخال لأحد منهم ، وقرأ أبو جعفر بالتسهيل مع الإدخال ، وقرأ هشام بالتحقيق مع الإدخال وعدمه ، وقرأ الباقون بالتحقيق من غير إدخال . البدور الزاهرة ، 133 - 134 .