أحمد بن محمود السيواسي

105

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

كلهم ، وجدالهم قولهم يا رسول اللّه ما كان خروجنا إلا للعير وأنت لم تعلمنا أنك تلقي عدوا بنا ، فنستعد لهم ونتأهب ، وذلك لكراهتهم القتال « 1 » ، وكان ذلك في السنة الثانية من مقدم رسول اللّه عليه السّلام المدينة ، وفيها حولت القبلة ووقعت غزوة بدر في شهر رمضان . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 7 ] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) وقصته أن النبي عليه السّلام أعلمه جبرائيل عليه السّلام أن عير قريش في أربعين رجلا من تجارهم خرجوا من الشام ، فيهم أبو سفيان بن حرب ، فقال النبي عليه السّلام أصحابه : قد أقبلت عير قريش من الشام ، فأخرجوا إليها ، لعل اللّه أن يفتح عليكم وتتقوا على جهاد عدوكم ، فسروا به ، فبلغ الخبر إلى أبي جهل بمكة أن محمدا وأصحابه اجتمعوا على قصد العير التي أقبلت من الشام ، فاجتمع قريش من مكة مع أبي جهل ليخرجوا إليهم ذابين عنها ، فقالت عاتكة بنت عبد المطلب لأخيها العباس : إني رأيت في المنام كان راكبا نزل من السماء ، فأخذ صخرة من جبل أبي قبيس ، ثم رماها على أهل مكة ، فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه فلقة منها ، فحدث بها العباس لوليد بن عتبة وكان صديقا له فذكر ذلك عتبة لأبي جهل ، فقال أبو جهل : ما يرضى رجالهم أن يتنبؤا حتى تتنبأ نساؤهم ، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير ، فقيل له : إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة ، فقال : لا واللّه لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم الملاهي في بدر ، فيتسامع العرب بخروجنا وبأن محمدا لم يصب العير ، فسار بمن معه إلى بدر ، ونزل جبرائيل فقال يا محمد : إن اللّه وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير ، وهم قريش ، فاستشار النبي عليه السّلام أصحابه فقال : إن العير أحب إليكم أم النفير ؟ فقالوا : بل العير أحب إلينا من لقاء العدو ، فتغير وجه رسول اللّه عليه السّلام ، فقال أبو بكر وعمر فأحسنا الكلام ، فقام المقداد فقال : امض بنا يا رسول اللّه لما أمرك اللّه فانا معك حيث أحببت ، فسر رسول اللّه بقوله ودعا له ، ثم قال : أشيروا علي أيها الناس وهو يريد الأنصار وكان متخوفا أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة ، فقام سعد بن معاذ ، فقال لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ؟ فقال أجل ، فقال : امض بنا يا رسول اللّه لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، فسر بذلك النبي عليه السّلام ، ثم قال : سيروا على بركة اللّه وأبشروا ، فان اللّه قد وعدني العير أو النفير واللّه لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم ، فساروا واجتمعوا مع قريش في بدر وهزموهم باذن اللّه ، فلما فرغ رسول اللّه من بدر قال له أصحابه : عليك بالعير يا رسول اللّه ليس دوننا شيء ، فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح هذا الرأي ، فقال له النبي عليه السّلام : لم قال لأن اللّه وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك ، فامتنع من ذلك ولما علم ثبوت الكراهة من بعضهم بقوله « وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ » « 2 » . أخبر عن تحقيق ذلك بقوله ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ ) أي واذكروا وقت وعد اللّه لكم ( إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ) العير أو النفير ( أَنَّها لَكُمْ ) أي إحديهما ، والمراد النفير ( وَتَوَدُّونَ ) أي وتحبون حرصا ( أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ ) أي طائفة غير صاحبة القوة في الحرب ، والشوكة شدة البأس والسلاح ، والشوكة في النفير لكثرة عددهم وعدتهم ، وانتفاء الشوكة في العير لقلة فرسانها ، يعني أنكم تمنون « 3 » أن العير ( تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ) أي يظهر الإسلام الذي هو الحق ويعزه بآياته المنزلة عليكم ( وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) [ 7 ] أي يستأصلهم بالهلاك ففعل كما أراد .

--> ( 1 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 2 / 156 - 157 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 6 . ( 2 ) وهذا مأخوذ عن الكشاف ، 2 / 156 . ( 3 ) تمنون ، ب م : تتمنون ، س ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 6 .