أحمد بن محمود السيواسي

60

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أرسلنا بعد موسى رسولا على أثر رسول إليكم ( وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ) أي العلامات الواضحات كاحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإنجيل ( وَأَيَّدْناهُ ) أي قويناه ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) أي بجبرائيل والقدس ، والقدوس هو اللّه ، قرئ بضم الدال وسكونه « 1 » ، ومعناه الطاهر من كل عيب أو روح القدس اسم اللّه الأعظم الذي يحيي به الموتى ، قيل : ما بين موسى وعيسى أربعة آلاف نبي « 2 » ، وقيل : سبعون ألف نبي « 3 » ، قوله ( أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ ) وسط فيه همزة الاستفهام للتوبيخ لهم بين الفاء وما تعلقت به من المعطوف عليه وهو « آتينا » قبله ، أي آتينا أنبياءكم ما آتيناهم فكلما آتاكم ( رَسُولٌ ) من الرسل ( بِما لا تَهْوى ) أي لا تريد ( أَنْفُسُكُمُ ) ولا يوافق هواكم ( اسْتَكْبَرْتُمْ ) أي تعظمتم عن الإيمان به ( فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ ) منهم كعيسى ومحمد عليهما السّلام ( وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) [ 87 ] كذكريا ويحيى وشعيا ، وأراد بالاستقبال تعظيما لهذه الحالة حيث لم يقل قتلتم بالمضي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 88 ] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) ( وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ) بسكون اللام جمع غلاف ، وهو الوعاء ، أي قلوبنا أوعية للعلم ، فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره أو جمع أغلف كأحمر وهو ما فيه غشاوة ، أي لا نفهم حديثكم ، لأن قلوبنا في غطاء فأضرب اللّه تعالى عن دعويهم وأثبت أن قلوبهم قابلة للإيمان لكونها سليمة بأصل الخلقة وهم يعاندون بالكفر فقال ( بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ) أي طردهم عن رحمته ( بِكُفْرِهِمْ ) أي بجحدهم الحق ( فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ) [ 88 ] « ما » زاءدة فيه ، و « قليلا » نصب لكونه صفة مصدر محذوف ، أي إيمانا قليلا يؤمنون ، لأن مؤمني اليهود قليلون بالنسبة إلى مؤمني المشركين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 89 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) ( وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) أي القرآن ( مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ) أي موافق للتورية في التوحيد وبعض الشرائع ( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ ) أي قبل محمد عليه السّلام ( يَسْتَفْتِحُونَ ) أي يستنصرون به ( عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي على كفار مكة ، لأنهم قد وجدوا في التورية نعت محمد ، وكانوا إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب يقولون : اللهم انصرنا عليهم باسم نبيك محمد وبكتابك تنزل عليه ، فنصروا على عدوهم ( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا ) من الحق وهو محمد عليه السّلام ( كَفَرُوا بِهِ ) حسدا وحرصا على الرياسة ، وغيروا صفته ، فقال تعالى ( فَلَعْنَةُ اللَّهِ ) أي طرده وسخطه ( عَلَى الْكافِرِينَ ) [ 89 ] بمحمد وكتابه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 90 ] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 90 ) ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا ) أي بئس شيئا باعوا ( بِهِ ) أي بسببه ( أَنْفُسَهُمْ ) بئس للذم نقيض نعم للمدح ، وفيه ضمير مبهم فسره « ما » ، ومحله نصب بمعنى شيئا والمخصوص بالذم قوله ( أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ) من القرآن ( بَغْياً ) مفعول له ، أي لأجل الظلم والحسد على ( أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ ) بالتخفيف والتشديد « 4 » ( مِنْ فَضْلِهِ ) من الرسالة والكتاب ( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) وهو محمد عليه السّلام ، لأنه تعالى لا اعتراض لأحد عليه في وضعه الرسالة والنبوة حيث شاء « 5 » ( فَباؤُ ) أي رجعوا ( بِغَضَبٍ ) أي مغضوبا عليهم ( عَلى غَضَبٍ ) صفة للأول « 6 » ، يعني استوجبوا اللعنة

--> ( 1 ) « القدس » : قرأ المكي بسكون الدال ، والباقون بضمها . البدور الزاهرة ، 36 . ( 2 ) ولم أجد له أصلا في المصادر المعتبرة التي راجعتها . ( 3 ) ولم أجد له أصلا في المصادر المعتبرة التي راجعتها . ( 4 ) « أن ينزل » : قرأ المكي والبصريان باسكان النون وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي . البدور الزاهرة ، 36 . ( 5 ) شاء ، ب س : يشاء ، م . ( 6 ) للأول ، س م : الأول ، ب .