أحمد بن محمود السيواسي

61

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

على أثر اللعنة متصلة لكفرهم بمحمد بتضييعهم التورية والإنجيل وعبادتهم العجل ونسبتهم عيسى إلى كونه ولد الزنا ( وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ) [ 90 ] أي ولهم « 1 » عذاب مخزبهم « 2 » يهانون فيه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 91 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 ) ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ) أي بالقرآن المنزل على محمد وهم يهود أهل المدينة ( قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) أي بالتورية ( وَ ) هم ( يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ) أي بما سواه ، والواو للحال ، وعاملها « قالُوا نُؤْمِنُ » ، يعني قالوا في الجواب : نصدق ما معنا من الكتاب جاحدين القرآن ( وَهُوَ الْحَقُّ ) حال والعامل « يَكْفُرُونَ » ( مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ ) حال مؤكدة ، وعاملها معنى الفعل في « الْحَقُّ » وصاحبها ما فيه من الضمير الراجع إلى القرآن ، وفيه رد لمقالتهم نؤمن بالتورية لأن معناه أحقه حقا حال كونه موافقا لكتابهم ، فإذا كفروا بما يوافق التورية فقد كفروا بها ، وقالوا : إنك لم تأتنا بمثل الذي أتانا به أنبياؤنا من قبلك ، فأمر اللّه تعالى أن يقول نبيه عليه السّلام معترضا عليهم بالاستفهام عن قتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتورية التي لا تسوغ قتل الأنبياء ( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ) أي قبل مجيئ « 3 » نبي « 4 » بالرسالة إليكم ، يعني قتلهم آباؤكم ورضيتم بفعلهم وقد جاؤوا بالبينات والحجج ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ 91 ] أي مصدقين بالأنبياء ، قيل : فيه دليل على أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها ، وإن من ادعى أنه مؤمن باللّه وكتابه ينبغي أن يكون أفعاله مصدقة لقوله فيه « 5 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 92 ] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 ) ( وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ) أي الحجج الواضحات ( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ) إلها للعباد ( مِنْ بَعْدِهِ ) أي بعد ذهابه إلى الجبل للمناجاة ( وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ) [ 92 ] بما حدث منكم من عبادة العجل . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 93 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) ( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ) أي العهد منكم ( وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) أي الجبل ، وكرر رفع الطور للتأكيد ، وقلنا لكم ( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ ) أي أعطيناكم من الكتاب ( بِقُوَّةٍ ) أي بجد واجتهاد ( وَ ) قلنا ( اسْمَعُوا ) ما أمرتم به في الكتاب وأطيعوه ( قالُوا ) يا محمد ( سَمِعْنا ) قولك ( وَعَصَيْنا ) أمرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا في الظاهر ( وَأُشْرِبُوا ) أي خولطوا ، ثم بين مكان الأشراب فقال ( فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) أي حبه ، يعني أدخل في صدورهم حب العجل للعبادة دخول الصبغ في الثوب ( بِكُفْرِهِمْ ) أي بسببه ( قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ ) بالتورية ، يعني عبادة العجل ، وفيه استهزاء بهم ، لأنه ليس في التورية عبادة العجل ليأمر بها إيمانهم بها ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ 93 ] بالتورية ، وفيه تشكيك في إيمانهم ، لأنهم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا فادعوا أن الجنة لهم خاصة دون سائر الناس . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 94 إلى 95 ] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) فقال اللّه تعالى لنبيه ( قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) أي الجنة ( عِنْدَ اللَّهِ ) نصب خبر « كان » ، قوله ( خالِصَةً ) نصب على الحال من الدار ، يعني إن صحت دعويكم أن الجنة خاصة سالمة لكم ( مِنْ دُونِ النَّاسِ ) أي دون

--> ( 1 ) لهم ، س م : - ب . ( 2 ) مخز بهم ، ب : مجزيهم ، م ، يخزيهم ، س ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 120 . ( 3 ) مجيء ، ب س : المجيء ، م . ( 4 ) نبي ، س : - ب م . ( 5 ) أخذ المؤلف هذا الرأي عن السمرقندي ، 1 / 137 .