أحمد بن محمود السيواسي
52
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( فَلَهُمْ ) الجملة وجمعه نظرا إلى معنى « من » ، والفاء للسببية ، أي لهم ( أَجْرُهُمْ ) وهو ثواب أعمالهم الصالحة الذي يستحقونه ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) وجملة « مَنْ آمَنَ » في محل الرفع خبر « إن » ، والعائد محذوف ، أي من آمن منهم وأخلص فله الجنة ( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من العذاب المستقبل ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ 62 ] مما خلفوا من أمر الدنيا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 63 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ( وَإِذْ أَخَذْنا ) أي اذكروا وقت أخذنا ( مِيثاقَكُمْ ) أي عهدكم الموثق بالعمل بما في التورية ، فلم تعملوا بما فيها من الفرائض والتكاليف الشاقة ( وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) أي الجبل بالسريانية وقلنا لكم « 1 » ( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ ) أي الذي أعطيناكم للعمل به ( بِقُوَّةٍ ) أي بجد ومواظبة ( وَاذْكُرُوا ) أي ادرسوا واعملوا ( ما فِيهِ ) من الثواب والعقاب ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ 63 ] أي تخافون من اللّه فيسهل عليكم القبول والعمل وتنجون من هلاك الدارين ، قيل : لما نزلت التورية على بني إسرائيل شق عليهم ما فيها من الفرائض ، لأنه نزل دفعة واحدة ، فلم يقبلوه ، فأمر اللّه الملائكة فقلعوا جبلا على قدر عسكرهم وقالوا لهم : إن قبلتم وإلا أهلكناكم بالجبل فقبلوا وسجدوا على أنصاف وجوههم وهم ينظرون إلى الجبل في سجودهم ، فمن ذلك سجد بعض اليهود على أنصاف وجوههم ، وقالوا بهذا السجود رفع عنا العذاب « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 64 ] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) أي أعرضتم عن الإيمان والطاعة ( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) أي بعد أخذ الميثاق وقبول التوبة أو من بعد رفع الطور عنكم ( فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ ) أي منه ( عَلَيْكُمْ ) بتأخير العذاب ( وَرَحْمَتُهُ ) بالإحسان وقبول التوبة أو « 3 » بارسال الرسل إليكم ( لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) [ 64 ] أي المغبونين في الدارين بالعقوبة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 65 ] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) ثم هدد اليهود بتذكيرهم ما جرى لمن تقدمهم من أصولهم وهم أصحاب أيلة ، مدينة على ساحل البحر ، قيل : كان يجتمع السمك يوم السبت حتى يأخذ وجه الماء ، وفي سائر الأيام لا يأتيهم إلا قليل « 4 » ، فحرم عليهم الصيد يوم السبت ، فاتخذوا مصائد ليقع فيها السمك ليلة السبت ويومه ويأخذوه يوم الأحد بقوله ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ) أي عرفتم ( الَّذِينَ اعْتَدَوْا ) أي تجاوزوا الحد ظلما ( مِنْكُمْ ) أي من أسلافكم ( فِي السَّبْتِ ) أي يومه ، فاحتالوا وحبسوا السمك فيه أخذوه يوم الأحد ، وأصل السبت القطع ، لأن اليهود أمروا أن يقطعوا الأعمال فيه ويشتغلوا بعبادة اللّه ، فمسخهم اللّه قردة ، احتج مالك به في إبطال الحيلة ، وجوزها غيره من الفقهاء إذا لم يكن إبطال حق أو عكسه ، وقال : هذه ليست بحيلة وإنما هي عين المنهي عنه ، لأنهم نهوا عن أخذها بأي وجه كان ( فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا ) أي صيروا ( قِرَدَةً ) جمع قرد ، وهذا أمر تحويل ، إذ لم يكن لهم على التحول من صورة إلى صورة ، قيل : « مسخ الشبان منهم قردة والشيوخ خناذير لهم أذناب يتعاوون » « 5 » ، وقيل : « مسخت قلوبهم » « 6 » ، وهو خلاف الظاهر ( خاسِئِينَ ) [ 65 ] أي مبعدين من رحمة اللّه ، من خسأ الكلب إذا بعده من عنده ، يستعمل لازما ومتعديا ، وهو خبر ثان ل « كان » أو صفة للردة أو حال من اسم « كان » ، قيل : بقوا ثلاثة أيام بالمسخ ثم هلكوا ولم يتوالد منهم قط « 7 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 66 ] فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) ( فَجَعَلْناها ) أي صيرنا تلك العقوبة لهم ( نَكالًا ) أي عقوبة وعبرة ليمتنع من اعتبر بها أن يقدم على مثل
--> ( 1 ) لكم ، ب : لهم ، س م . ( 2 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 125 - 126 . ( 3 ) أو ، م : - ب س . ( 4 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 126 . ( 5 ) عن قتادة ، انظر البغوي ، 1 / 97 . ( 6 ) عن مجاهد ، انظر القرطبي ، 1 / 443 . ( 7 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 1 / 97 .