أحمد بن محمود السيواسي

53

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

صنيعهم ، يعني عظة وتذكرا ( لِما بَيْنَ يَدَيْها ) أي لما تقدمها من القرى ، لأن قصة هؤلاء مذكورة في كتب الأولين ( وَما خَلْفَها ) من القرى ، فإذا علموا بها اتعظوا ويمتنعوا عن المعصية أو جعلنا تلك العقوبة عقوبة لما عملت من الذنوب قبل المسخ ولما عملت حين المسخ ( وَمَوْعِظَةً ) أي نصيحة وعبرة ( لِلْمُتَّقِينَ ) [ 66 ] أي الخائفين من أمة محمد عليه السّلام . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 67 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) ( وَإِذْ قالَ مُوسى ) أي اذكروا وقت قوله ( لِقَوْمِهِ ) أي لبني إسرائيل حين قتل رجل فقير ابن عم له غنيا ليرثه ثم حمله وألقاه إلى جانب قرية قريبة من قريته ، فأصبح أهل القرية والقتيل بين أظهرهم ، فأخذوا بالقتيل وجاؤوا به إلى موسى وجاء الفقير مع أهل قريته إلى موسى يدعي عليهم القتل فهم أهل القريتين أن يقتتلوا بالسلاح ، فقال رجل أتقتتلون وفيكم نبي اللّه موسى ، فدعا اللّه في ذلك لتبيين أمر المقتول وذلك قبل نزول القسامة « 1 » ، فأوحى اللّه إلى موسى وقال ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) فتضربوا ببعضها بعض أعضاء الميت فيحيي فيخبركم من قتله ( قالُوا ) لموسى ( أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً ) بسكون الزاء مع الهمزة « 2 » وضمها بلا همزة « 3 » وبضمها مع الهمز « 4 » ، أي أهل هزو ، وهو السخرية ، يعنون أتستهزىء بنا نحن نسأل عن أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح البقرة ، ولا تطابق بين السؤال والجواب ( قالَ ) موسى ( أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) [ 67 ] أي المستهزئين ، لأن الهزء من فعل الجاهلين . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 68 إلى 69 ] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ( 68 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 ) ( قالُوا ) يا موسى ( ادْعُ ) أي سل ( لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ ) أي يوضح ( لَنا ما هِيَ ) أي ما سنها وما صفتها من الصغر والكبر ( قالَ ) موسى ( إِنَّهُ ) أي اللّه ( يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ) أي مسنة من الفرض وهو القطع ، لأنها قطعت السن ، أي بلغت آخرها ( وَلا بِكْرٌ ) أي صغيرة لم تلد قط ، مأخوذ من باكورة الفاكهة ولم يؤنث لأنه كالحائض في الاختصاص بالأنثى ، وارتفاعهما بخبرية مبتدأ محذوف ، أي لا هي كبيرة ولا صغيرة ( عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ) أي وسط بين الكبيرة والصغيرة ، وإنما أفرد ذلك و « بين » يقتضي الإضافة إلى المتعدد ، لأنه في معنى شيئين حيث أشير به إلى ما ذكر من الفارض والكبر وإنما جاز أن يشار به إلى مؤنثين ، وهو موضوع لأن يشار به إلى واحد مذكر ، لأنه مؤول بالمذكر للاختصار في الكلام أو لأنه اسم الإشارة ، يكثر استعماله في كلاهم ، فاستحسن الإفراد ، إذ تثنيته وجمعه وتأنيثه ليس بحقيقة ( فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ) [ 68 ] أي الذي أمركم اللّه به من ذبح القرة ليتبين لكم القاتل ولا تسألوا ثم سألوا عن لونها ( قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ ) أي يعلم ( لَنا ما لَوْنُها ) من الألوان ( قالَ ) لهم موسى ( إِنَّهُ ) أي اللّه ( يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ ) والصفرة لون بين البياض والسواد ( فاقِعٌ لَوْنُها ) أي خالص شديد الصفرة ، وهي جملة من المبتدأ والخبر صفة البقرة أو فاقع صفة صفراء و « لونها » مرفوع على أنه

--> ( 1 ) وقال ابن كثير في تفسيره : « ورواه ابن جرير من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة بنحو من ذلك واللّه أعلم » . انظر تفسير القرآن العظيم ، 1 / 154 . ( 2 ) الهمزة ، س م : الهمز ، ب . ( 3 ) همزة ، س م : همز ، ب . ( 4 ) « هزوا » : قرأ حفص بالواو بدلا من الهمزة وصلا ووقفا مع ضم الزاي ، وقرأ خلف باسكان الزاي مع الهمز وصلا ووقفا ، وقرأ حمزة باسكان الزاي مع الهمز وصلا ، وله في الوقف وجهان الأول نقل حركة الهمزة إلى الزاي وحذف الهمزة فيصير النطق بزاي مفتوحة بعدها ألف ، الثاني إبدال الهمزة واوا علي الرسم ، وقرأ الباقون بضم الزاي مع الهمز وصلا ووقفا . البدور الزاهرة ، 34 .