أحمد بن محمود السيواسي

294

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وجب عليه من تبليغ الرسالة وتهديد بقيام الحجة عليهم ولزوم الطاعة بهم ، فلم يبق لهم عذر في التفريط ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ ) أي تظهرون من الأعمال والأقوال ( وَما تَكْتُمُونَ ) [ 99 ] أي تسرون من السرائر والأحوال ، فليس على الرسول طلب سرائركم ودرك نياتكم ولم يؤمر به ، لأن اللّه يعلم ذلك كله . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 100 ] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) قوله ( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ) نزل في حجاج اليمامة من المشركين حين أراد المسلمون أن يأخذوا أموالهم ويوقعوا بهم « 1 » ، فنهى اللّه عن ذلك وإن كانوا أهل الشرك ، منهم شريح بن ضبيعة وكان كثير المال « 2 » ، فقال تعالى لا يستوي المال الحرام والمال الحلال ، فان ماله حرام لا توثروه ( وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) وهو مال شريح ، فان الفضل المتوهم في الخبيث الكثير لا يوازي فضل الطيب القليل ، فلا تستحلوا ما حرم عليكم ( فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) أي يا أهل العقول المميزين بين الحلال والحرام ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [ 100 ] أي لكي تأمنوا من عذابه ، قيل : « صدقة من الحرام لا تصعد إلى اللّه ولا توضع في خزانته ، وصدقة من الحلال تقع في يد الرحمن » « 3 » ، يعني يقبلها بالرضاء ، وقيل : « مثقال حبة من صدقة الحلال أرجح عند اللّه من جبال الدنيا من الحرام » « 4 » ، والحكم في الآية عام في حلال المال وحرامه وفي صالح العمل وطالحه وفي نافع العلم وضاره ، وفي صحيح المذهب وفاسده وفي جيد الناس ورديهم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 101 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) لا ينصرف كحمراء ، جمع شيء ، ووزنه فعلاء وأصله شيئاء بهمزتين بينهما ألف عند سيبويه ثم نقلت الأولى قبل الفاء ، فصارت أشياء على وزن أفعاء ، وعند الأخفش أصله أشئياء على وزن أفعلاء ، جمع شيء ، ثم خفف وجمع ، فوزنه أفعاء بحذف لام الكلمة عنده ، نزل حين أكثر المسلمون السؤال على النبي عليه السّلام فغضب وقال : لا تسألوني عن شيء إلا أخبركم ، فقال رجل : يا رسول اللّه من أبي ؟ فقال : حذافة ، يعني رجلا غير أبيه ، فقال عمر بن الخطاب : « يا رسول اللّه رضينا باللّه دينا وبك نبيا » « 5 » ، فقال تعالى تأديبا لهم لا تسألوا نبيكم عن أشياء ( إِنْ تُبْدَ ) أي تظهر بالجواب ( لَكُمْ ) هذه الأشياء التي تسألونها ( تَسُؤْكُمْ ) أي تضركم وتحزنكم وتندموا على السؤال عنها ، قيل : سأل عكاشة يا رسول اللّه الحج علينا كل عام ؟ فأعرض عنه حتى أعاد سؤاله ثلاث مرات ، فقال عليه السّلام : « ويحك لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بأمر فخذوه وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه » « 6 » ( وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها ) أي عن التكاليف الصعبة ( حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ ) أي في زمان الوحي ونبيكم بين أظهركم ( تُبْدَ ) أي تظهر ( لَكُمْ ) تلك التكاليف التي تسؤكم فتؤمروا بتحملها فتعجزوا عن القيام بها ، فتعرضون « 7 » أنفسكم لغضب اللّه بالتفريط فيها ، ومحل « إِنْ تُبْدَ لَكُمْ » إلى قوله « تُبْدَ لَكُمْ » أعني الجملتين الشرطيتين جر صفة « أشياء » ، والمعنى : أنكم اسكتوا عن السؤال حتى تؤمروا ( عَفَا اللَّهُ عَنْها ) أي عن مسألتكم السالفة فلا تعودوا إلى مثلها ( وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) [ 101 ] أي متجاوز عن ذنوبكم لم يعجل عليكم بالعقوبة لسوء فعلكم .

--> ( 1 ) ويوقعوا بهم ، ب س : ويواقعوا فيهم ، م . ( 2 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 461 . ( 3 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 1 / 461 . ( 4 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 1 / 461 . ( 5 ) عن عكرمة ، انظر السمرقندي ، 1 / 461 ؛ والبغوي ، 2 / 310 . ( 6 ) عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما ، انظر السمرقندي ، 1 / 461 . ( 7 ) فتعرضون ، ب س : فيعرضون ، م .