أحمد بن محمود السيواسي
295
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 102 ] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) ثم هددهم وحذرهم بما مضى على من قبلهم فقال ( قَدْ سَأَلَها ) ولم يقل سأل عنها ، لأن الضمير لم يرجع إلى ال « أشياء » حتى يجب تعديته ب « عن » ، بل يرجع إلى المسألة ، أي قد سأل هذه المسألة أنبياءهم ( قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها ) أي صاروا بسببها أو بأحكامها ( كافِرِينَ ) [ 102 ] فان بني إسرائيل سألوا « 1 » أنبياءهم كموسى وعيسى عن أشياء ، فأمروا بها فتركوها ولم يعملوا بها فهلكوا بسخط اللّه تعالى . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 103 ] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) قوله ( ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ) « من » زائدة لتأكيد النفي ، نزل في بيان أن المحل والمحرم بالشريعة هو اللّه وليس لغيره أن يسن شريعة بها يحل ويحرم كعمر بن لحي أخو بني كعب غير شريعة إسماعيل عليه السّلام ، فقال : إن اللّه أمرني بها افتراء على اللّه الكذب ، أي لم يجعل اللّه حراما من بحيرة ، وهي ناقة ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر فبحرت ، أي شق أذنها واسعا مشبها بالبحر وحرم ركوبها وتركت لترعى في المرعى ، فإذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء « 2 » ( وَلا سائِبَةٍ ) أي ولم يجعل في الحيوانات حراما من سائبة ، وهي من الأنعام التي خامس ولدها أنثى ، فبحروا أذنها وتركت مع أمها وحرمت منافعها على الرجال والنساء ، فإذا ماتت اشتركوا فيها أو السائبة منها ما نذروا تسييبها لآلهتهم إذا برؤا من مرضهم أو جاؤوا من سفرهم وتسلموها إلى خدامهم ببيت آلهتهم ، وكان صوفها وأولادها للرجال دون النساء ( وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ) أي ولم يجعل من الحيوانات حراما وصيلة بأن يقال إنه وصل « 3 » أخاه إذا ولد ذكر مع أنثى فحرما جميعا فيكون ذلك للأصنام في زعمهم ، فإذا ماتا « 4 » تشارك الرجال والنساء فيهما ، ولم يجعل أيضا من الحيوانات حاميا وهو الفحل الذي إذا ركب ولد ولده أو نتج منه عشرة أبطن ، قالوا قد حمى ظهره فيهمل ولا يحمل ولا يركب ولا يمنع من الماء والمرعى ، وإذا مات أحله الرجال والنساء ، وكانوا يقولون كل ذلك من أحكام اللّه ، فقال اللّه تعالى ردا عليهم ما حرم اللّه هذه الأشياء ( وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) باللّه وأنبيائه ( يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [ 103 ] أن اللّه هو المحل والمحرم ، فلا ينسبون « 5 » التحليل والتحريم إليه لفرط جهلهم كالبهائم . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 104 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) ثم أخبر عن عدم عقلهم واتباعهم بهواهم بقوله ( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ ) أي إلى كتابه ( وَإِلَى الرَّسُولِ ) أي إلى سنة رسوله ( قالُوا حَسْبُنا ) أي كافينا ( ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) أي دينهم وسنتهم ، فقال تعالى ( أَ وَلَوْ كانَ ) أي أحسبهم ذلك ولو كان ( آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً ) من الهدى بالحجة ( وَلا يَهْتَدُونَ ) [ 104 ] طريق الحق ، ففيه نهي عن التقليد بالجاهل وأمر بالاقتداء بالعالم المهتدي الذي يعرف اهتداءه بالحجة . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 105 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) بالنصب مفعول « عَلَيْكُمْ » ، وهو اسم فعل بمعنى الزموا صلاح أنفسكم ، نزل في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا رد على الآمر والناهي ولم يقبل عند الفسقة والفجرة « 6 » ، قال ابن مسعود : « مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم
--> ( 1 ) سألوا ، ب س : تسألوا ، م . ( 2 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 2 / 312 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 462 . ( 3 ) إنه وصل ، ب م : إن وصل ، س . ( 4 ) ماتا ، ب م : مات ، س . ( 5 ) فلا ينسبون ، م : لينسبوا ، ب س ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 2 / 50 . ( 6 ) اختصره من البغوي ، 2 / 314 .