أحمد بن محمود السيواسي
293
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 96 ] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 96 ) ثم أخبر عما أبيح للمحرم بقوله ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) في الإحرام وغير الإحرام ، والمراد من « الْبَحْرِ » جميع المياه ومن صيده جميع ما صيد منه ( وَطَعامُهُ ) أي طعام البحر ، والمراد المأكول منه ، وقيل : « صيد البحر طريه وطعامه مالحه » « 1 » ، وقيل : « صيده ما صيد منه وطعامه ما رمي منه » « 2 » ( مَتاعاً لَكُمْ ) مفعول له ، أي تمتيعا لكم بأن تأكلوه طريا ( وَلِلسَّيَّارَةِ ) أي للمسافرين بأن يتزودوه لأسفارهم ، والمراد السمكة المالحة ، المعنى من هذه الآية أنه أبيح لكم أخذ حيوان البحر كله فبعض للانتفاع وبعض للإطعام ( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) أي محرمين فلا تأخذوا الصيد منه ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) فيما نهيتم عنه ( الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) [ 96 ] فيجازيكم بأعمالكم ، قال الشافعي : صيد البر المحرم « 3 » على المحرم كل حيوان يجوز أكله ، سواء صاده أو صيد لأجله بأمره وغير أمره « 4 » ، لأنه لا يجب الجزاء فيما لا يؤكل إلا واحدا وهو المتولد من الوحشي والأهلي ، وأبو حنيفة يوجب الجزاء فيما لا يؤكل أيضا إلا الحية والعقرب والحداءة والفأرة والكلب العقور والذئب ، ويجوز عنده أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل عليه ولم يشر ، وكذا ما ذبحه قبل إحرامه « 5 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 97 ] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) ثم قال ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ ) أي صير بيته المرتفع والمنفرد عن البيوت ( الْبَيْتَ الْحَرامَ ) بدل من الكعبة لا صفة ، لأن البيت الحرام علم للمتعبد المخصوص ، وهو لا يوصف به ، ويجوز أن يكون عطف بيان ولا يشترط فيه أن يكون الثاني من الاسمين أوضح ( قِياماً لِلنَّاسِ ) بالألف وبغيرها « 6 » مصدر بمعنى النهوض لمصالح الناس دينا ودنيا ، ونصبه مفعول ثان « 7 » ل « جعل » « 8 » ، أي جعل اللّه قصد الكعبة سببا لقيام الأمن بين الناس ، لأن العرب لا يتعرضون إلى من يقصد البيت تعظيما له ، ويجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفا و « قِياماً » حالا ، والتقدير : جعل قصدها فرضا حال كونه نهوضا إلى أغراضهم من المعاش والمعاد ، ولا يجوز أن يكون مفعولا له لعدم شرط نصبه ، قوله ( وَالشَّهْرَ الْحَرامَ ) عطف على « الْكَعْبَةَ » ، أي وجعل اللّه الشهر الحرام الذي هو شهر ذي الحجة لقيام الحج فيه قياما للناس ( وَ ) جعل أيضا ( الْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ) قياما وأمنا لهم لصلاح دينهم ومعاشهم ، لأنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي وتقليده ( ذلِكَ ) مبتدأ ، خبره « 9 » محذوف ، أي جعل الكعبة قياما للناس أو ما ذكر من تحريم الصيد في الإحرام شرعناه ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) أي يعلم صلاح أهلهما معاشا ومعدا ( وَ ) لتعلموا أيضا ( أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ 97 ] أي عالم بأحوال الخلق وأعمالهم سرا وعلانية فيجازيهم بها فينبغي أن يتقوه ولا يعصوه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 98 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) أي شديد عقوبته لمن عصاه ( وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ 98 ] لمن اتقاه وأطاعه . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 99 ] ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) ( ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ) أي تبليغ الرسالة للعباد وليس عليه غيره ، ففيه إيذان أن الرسول قد فرغ مما
--> ( 1 ) عن مجاهد ، انظر البغوي ، 2 / 305 . ( 2 ) عن عمر رضي اللّه عنه ، انظر البغوي ، 2 / 305 . ( 3 ) صيد البر المحرم ، ب م : صيد البر هو المحرم ، س . ( 4 ) بأمره وغير أمره ، ب م : بأمره أو غير أمره ، س . ( 5 ) لعله اختصره من البغوي ، 2 / 305 - 307 ؛ والكشاف ، 2 / 49 . ( 6 ) « قياما » : قرأ الشامي بحذف الألف التي بعد الياء ، والباقون باثباتها . البدور الزاهرة ، 97 . ( 7 ) ثان ، ب م : ثاني ، س . ( 8 ) لجعل ، س : بجعل ، ب م . ( 9 ) خبره ، ب م : وخبره ، س .