أحمد بن محمود السيواسي
28
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
خبره « الكتاب » ، وهو صفته والخبر ( لا رَيْبَ فِيهِ ) أي لا شك في « 1 » أنه من عند اللّه ، وهو خبر في معنى النهي « 2 » ، أي لا ترتابوا أو لا شك عند أهل العقل والإيمان به ، والشك : هو التردد بين النقيضين لا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك ، لم يقدم الظرف على الريب لئلا يذهب الفهم إلى أن كتابا آخر فيه الريب لا فيه . قوله ( هُدىً ) خبر مبتدأ محذوف ، أي هو هدي ، أي رشد وبيان ، والمراد ما يهتدى به أو متبدأ خبره محذوف ، أي فيه هدى أو حال من « الكتاب » ، والعامل فيها ما في اسم الإشارة من معنى الفعل ، يعني أشير أو أنبه إليه هاديا ( لِلْمُتَّقِينَ ) [ 2 ] أي للضالين الصائرين إلى التقي بعد الضلال ، فاختصر الكلام اعتبارا للتسمية بما يؤول إليه ، ولو قال للضالين لدخل فيهم الفريق الباقون على الضلالة وهم المطبوع على قلوبهم ، وليس الكتاب هدى لهم ، وقيل : خص المتقون بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالهدى « 3 » ، والتقوى : صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك ، قيل : لا يدخل في التقوى اجتناب الصغائر إذا تاب عن الكبائر ، لأنها مكفرة عن مجتنب الكبائر « 4 » ، وقيل يدخل فيه لقوله عليه السّلام : « لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس » « 5 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) ثم وصف المتقين على طريق الكشف والبيان بقوله ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) أي يصدقون في حال الغيبة بخبر البعث والجنة والنار وغير ذلك من أخبار النبي عليه السّلام ، فيكون « الغيب » مصدرا ، والباء متعلقا بمحذوف ، محله نصب على الحال ، أي يؤمنون ملتبسين بالخفاء والغيبة كالتباسهم بالحضور لا كالمنافقين ، وقيل : الغيب فيعل « 6 » ، خفف كالميت ، وهو الخفي عن العيون ، لا يعلمه ابتداء إلا اللطيف الخبير ، وقيل : الغيب بمعنى الغائب « 7 » ، والباء صلة الإيمان ، وهو اللّه أو القرآن ، يعني يقرون بأن اللّه إله واحد لا شريك له أو بأن القرآن حق نازل من عند اللّه ، والإيمان التصديق بالقلب لغة ، وفي الشرع هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان على ما هو الحق ، والتصديق بالعمل وهو المنقول من السلف ، والإسلام هو الخضوع والانقياد بما أخبره الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكل إيمان إسلام دون العكس ، قيل : من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق ، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق ، ومن أخل بالشهادة فهو كافر « 8 » . ( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) أي يؤتونها « 9 » بحقوقها ، من أقام الأمر إذا أتي به مع إعطاء حقوقه ، والصلاة بمعنى الدعاء لغة ، وفي الشرع : أفعال مخصوصة كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ورعاية الوقت ، وأركان معلومة كتكبيرة الافتتاح والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة الأخيرة « 10 » وغير ذلك مع « 11 » النية ، والمراد الصلوات الخمس أو أعم منها ، قيل : إن العبد إذا صلى صلاة تقبل منه خلق اللّه منها ملكا يقوم ويصلي للّه تعالى إلى يوم القيامة وثوابه لصاحب الصلاة « 12 » ، والمراد من إقامتها تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها . ( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ ) أي مما أعطيناهم من الرزق ، وهو اسم ما ينتفع به ذو حيوة من الخلق ، وإسناده إلى نفسه تعالى إيذان بأن يكون حلالا صرفا ، وأدخل فيه « من » للتبعيض دفعا للإسراف والتبذير المنهي عنهما
--> ( 1 ) في ، ب س : - م . ( 2 ) أخذ المؤلف هذا الرأي عن الكشاف ، 1 / 22 . ( 3 ) نقل هذا الرأي عن البغوي ، 1 / 35 . ( 4 ) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف ، 1 / 23 . ( 5 ) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 6 ) أخذ هذا الرأي عن الكشاف ، 1 / 25 . ( 7 ) نقله عن البغوي ، 1 / 37 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 24 . ( 8 ) نقل المؤلف هذه الأقوال عن الكشاف ، 1 / 25 . ( 9 ) يؤتونها ، ب س : يأتونها ، م . ( 10 ) والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة الأخيرة ، ب : كقيام وقرائدة وركوع وسجود ، م ، والقيام وقراءة وركوع وسجود ، س . ( 11 ) وغير ذلك مع ، س م : - ب . ( 12 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 90 .