أحمد بن محمود السيواسي
29
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( يُنْفِقُونَ ) [ 3 ] أي يخرجون عن أيديهم في سبيل اللّه ، والإنفاق : هو الإخراج عن اليد ، وهو يتناول صدقة الفريضة والتطوع ، قيل : نزلت هذه الآيات فيمن آمن من العرب . « 1 » [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 4 ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) ونزل فيمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى « 2 » ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) أي بالقرآن كله ، وفيه تغليب للموجود على ما لم يوجد بعد من الآيات ( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) أي ويؤمنون بالذي أنزل قبلك من التورية والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء ( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) [ 4 ] أي وبالدار الآخرة من دار الدنيا ، هم يعلمون بغير شك ، فلا يغفلون عنها ولا يعملون بما يعاتبون أو يعاقبون عليه ، وفي تقديم الآخرة وبناء « يُوقِنُونَ » على « هُمْ » تعريض لليهود والنصارى حيث قالوا : « لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى » ، وقالوا : « لن تمسنا النار إلا أياما معدودات » ، فإنهم أثبتوا أمر الآخرة على خلاف حقيقته ، لأن قولهم ليس بصادر عن إيقان ، فدل التقديم على التخصيص بأن إيقان من آمن بما أنزل إليك وبما أنزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلى ما أثبته الكفار بالإقرار من أهل الكتاب ، والإيقان علم بلا شك بعد أن لم يكن ، ولذا لا يطلق على علم اللّه يقين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 5 ] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) ( أُولئِكَ ) أي أهل هذه الصفة ( عَلى هُدىً ) أي على بصيرة ورشد ( مِنْ رَبِّهِمْ ) في الدنيا ، يعني بين لهم طريق الفلاح قبل الموت ( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ 5 ] أي الفائزون بالجنة والناجون من النار يوم القيامة ، وتكرير « أولئك » للدلالة على أن كل واحد من الحكمين مستبد في تميزهم به عن غيرهم ، فكيف بهما ، وتوسط العطف بينهما تنبيه على تغايرهما في الحقيقة ، وفائدة الفصل بين المبتدأ والخبر الدلالة على أن ما بعده خبر لا صفة ، وأن المسند ثابت للمسند إليه دون غيره . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) ثم ابتدأ بقصة الكفار بعد قصة المؤمنين بترك العطف للتباين الكلي بينهما فقال ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا الحق وجحدوه وهو القرآن ونبوة محمد عليه السّلام ( سَواءٌ عَلَيْهِمْ ) أي مستو لديهم ( أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ) أي الإنذار وعدم الإنذار ، والهمزة فيه لمجرد الاستواء لا للاستفهام ، وهذا المعنى صير الفعل في تقدير الاسم ، فوقع مبتدأ و « سواء » خبره مقدما عليه ، والجملة خبر « إن » ، قرئ « 3 » بهمزتين محققتين وبتسهيل الثانية فقط ، وبتسهيلهما مع إدخال ألف بينهما وبابدالها ألفا ، المعنى : خوفتهم أم لم تخوفهم ( لا يُؤْمِنُونَ ) [ 6 ] جملة مؤكدة لخبر « إن » ، أي لا يصدقون بك وبما جئت به من القرآن ، قيل : « هم المصرون على الكفر مثل كعب بن الأشرف وحي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب من رؤساء اليهود » « 4 » ، وقيل : هم مشركو العرب « 5 » ، فعلى هذا عام مخصوص باسلام من أسلم ومن لم يسلم إلى انتهاء الدنيا .
--> ( 1 ) عن مجاهد ، انظر الواحدي ، أبو الحسن علي بن أحمد ، أسباب النزول ، ( تعليق وتخريج : الدكتور مصطفى ديب البغا ) ، بيروت ، 1408 ه - 1988 م ، 19 . ( 2 ) عن مجاهد ، انظر الواحدي ، 19 . ( 3 ) « عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ » : قرأ قالون وأبو عمرو وأبو جعفر بتسهيل الهمزة الثانية بينهما وبين الألف مع إدخال ألف بينهما ، وقرأ ابن كثير ورويس بتسهيل الثانية من غير إدخال ولورش وجهان : الأول مثل المكي ورويس ، والثاني إبدالها ألفا ، ولهشام وجهان وهما التحقيق والتسهيل مع الإدخال في كل منهما وقرأ الباقون بالتحقيق بدون إدخال . انظر البدور الزاهرة ، 20 . ( 4 ) قاله الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 91 - 92 . ( 5 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 39 .