أحمد بن محمود السيواسي

236

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وَعَلى جُنُوبِكُمْ ) ونصب الكل على الحال ، أي قائمين وقاعدين ومضطجعين ، وقيل : معناه صلوا للّه في الأمن صلاة الصحيح قياما وصلاة المريض قعودا وصلاة شديد المريض المعجز على جنوبكم « 1 » ، وقيل : معناه إذا شرعتم في الصلاة في حالة الخوف فصلوا للّه محاربين بالسيف في الصلاة بالقيام وجاثمين على الركب للرمي بالقعود ومثخنين بالجراح على جنوبكم « 2 » ، فالشافعي أوجب الصلاة على الخائف بكل حال ، وأبو حنيفة يبطلها « 3 » بحالة القتال فإذا أمن قضاها ، ثم قال ( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ ) أي أمنتم من الخوف وأقمتم ( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) أي أتموها أربعا ( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) [ 103 ] أي فرضا مقدرا في وقتها فلا تؤخر عنه ، وفيه دليل للشافعي على أنها واجبة في كل حال ، فللمسافر ركعتان وللمقيم أربع ، وإذا تأخرت عن وقتها بعذر الخوف أو غيره ثم زال عنه فعليه القضاء . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 104 ] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 104 ) قوله ( وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ ) أي لا تضعفوا في طلب الكفار ، نزل حين أصابت « 4 » المسلمين جراحات يوم أحد وكانوا يضعفون عن الخروج إلى الجهاد فأمرهم اللّه بأن يظهروا القوة والجد من أنفسهم ، وهذا الخطاب يعم لهم ولجميع الغزاة إلى يوم القيامة « 5 » ، ثم شجعهم على ذلك بقوله ( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ) أي تجدون ألم الجراحة ( فَإِنَّهُمْ ) أي الكفار ( يَأْلَمُونَ ) أي يجدون الألم ( كَما تَأْلَمُونَ ) ذلك ، يعني إن الألم مشترك « 6 » بينكم وبينهم ، ولكم زيادة ليست للكافرين لقوله تعالى ( وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ ) أي الكفار من الثواب في الآخرة ، لأنهم لا يؤمنون بالبعث فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر منهم ( وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً ) بما صدر منكم ومنهم ( حَكِيماً ) [ 104 ] يحكم لكم بالثواب ولهم بالعقاب . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 105 إلى 106 ] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) قوله ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ) أي القرآن بالعدل في الأحكام والحدود ( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ) أي بما علمك بالإلهام أو بالوحي إليك ( وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ ) في الأمانة ، أي لأجلهم « 7 » ( خَصِيماً ) [ 105 ] أي مخاصما معينا لهم ، نزل حين سرق طعمة بن أبيرق ، وكان منافقا شاعرا يهجو أصحاب النبي عليه السّلام درعا من قتادة وكان جارا له من بني ظفر ، وتركها عند زيد اليهودي ، ثم حلف أنه ما سرق شيئا ، فجاء قومه ، وكانوا أهل لسان وبيان ، فقالوا : إن قتادة وابن أخيه عمدوا إلى أهل بيت منا يتهمونهم بالسرقة ، فوقع قولهم عند النبي عليه السّلام موقعا ، ثم ظهرت الدرع عند اليهودي ، فأراد النبي عليه السّلام أن يقطع يد اليهودي « 8 » ، فبين اللّه تعالى خيانتهم بقوله « وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً » وهو طعمة وكل خائن . ( وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ) عند جدالك عن طعمة أو مما هممت من عقاب اليهودي ( إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) [ 106 ] لمن تاب إليه واستغفره . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 107 ] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 )

--> ( 1 ) لعل المفسر اختصره من السمرقندي ، 1 / 384 . ( 2 ) نقل المصنف هذا المعنى عن الكشاف ، 1 / 269 . ( 3 ) يبطلها ، ب م : أبطل ، س . ( 4 ) أصابت ، ب م : أصاب ، س . ( 5 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 384 . ( 6 ) ( فإنهم ) أي الكفار ( يألمون ) أي يجدون الألم ( كما تألمون ) ذلك يعني إن الألم مشترك ، س : ( فإنهم ) أي الكفار ( يألمون كما تألمون ) أي تجدون ذلك الألم يعني الألم مشرك ، ب ، ( فإنهم يألمون كما تألمون ) أي ذلك الألم مشترك ، م . ( 7 ) أي لأجلهم ، ب م : لأجلهم ، س . ( 8 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 385 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 152 - 153 ؛ والبغوي ، 2 / 150 - 151 .