أحمد بن محمود السيواسي

237

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( وَلا تُجادِلْ ) أي لا تخاصم ( عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) أي يضرون نفوسهم بالسرقة وهم طعمة وقومه الذين شهدوا له بالبراءة ونصروه ، وكانوا شركاء في الإثم ، قيل : هذا خطاب للنبي عليه السّلام والمراد غيره « 1 » ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) [ 107 ] أي خائنا بالسرقة ، فاجرا برميه على غيره ، وإنما ذكره بصيغة المبالغة ، لأنه بالغ في الخيانة باليمين الكاذبة والسرقة والتهمة للغير ، قيل : إن اللّه لا يؤاخذ عبده في أول مرة « 2 » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 108 ] يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ( يَسْتَخْفُونَ ) أي يستترون حياء ( مِنَ النَّاسِ ) لأنهم جعلوا الدرع تحت التراب في حفرة أولا خوفا من ضررهم ( وَلا يَسْتَخْفُونَ ) أي لا يستحيون ( مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ) بالعلم والقدرة ( إِذْ يُبَيِّتُونَ ) أي حين يدبرون في أنفسهم ويقولون ليلا ( ما لا يَرْضى ) اللّه ( مِنَ الْقَوْلِ ) ولا يحبه وهو تدبير طعمة في نفسه أن يرمي بالدرع في دار زيد اليهودي ليسرقه « 3 » ويحلف ببراءته ، وإنما سمي التدبير قولا وهو معنى النفس على المجاز ، لأنه حدث بذلك نفسه « 4 » ، فكأنه قال به أو المراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به ( وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) [ 108 ] أي عالما بخيانتهم وتزويرهم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 109 ] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 109 ) ثم خاطب قوم طعمة الذين خاصموا عن طعمة السارق بقوله ( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ) بحذف حرف النداء من « هؤُلاءِ » ، ويجوز أن يكون « أَنْتُمْ » مبتدأ ، وخبره « هؤُلاءِ » ، وما بعده بيان له ، أو « هؤُلاءِ » باسم موصول بمعنى الذين ، صلته ( جادَلْتُمْ ) أي خاصمتم ( عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي عن الخائنين في الدنيا ( فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ ) استفهام على سبيل الإنكار ، أي من يخاصم ( عَنْهُمْ ) أي عن الخائنين إذا عذبوا ( يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ ) أي بل ( مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ) [ 109 ] أي حفيظا ومحاميا « 5 » من بأس اللّه ، والوكيل من يفوض إليه الأمر ، ثم استعير إلى الحفيظ لكون الحفظ لازما للوكيل . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 110 ] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ( 110 ) قوله ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ) أي سرقة أو معصية أو شركا ( أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) باليمين الكاذبة وبرميه البريىء « 6 » من السرقة أو بذنب آخر ( ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ) أي يتب عن الذنب ( يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ) [ 110 ] نزل في شأن طعمة وقومه « 7 » ، روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه : « ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر اللّه إلا غفر اللّه » « 8 » ، وتلا هذه الآية . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 111 ] وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 111 ) ( وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً ) أي ذنبا أو شركا باللّه ( فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ ) أي يضر بنفسه لا يتعداها « 9 » ضرره إلى غيره ، فليصن نفسه من كسب السوء ( وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) [ 111 ] أي بمن كسب الإثم وبما حكم عليه من الجزاء .

--> ( 1 ) أخذه المصنف عن البغوي ، 2 / 152 . ( 2 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 1 / 270 . ( 3 ) ليسرقه ، ب م : لسرقة ، س . ( 4 ) نفسه ، ب س : بنفسه ، م . ( 5 ) محاميا ، ب : محاسبا ، س م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 271 . ( 6 ) وبرميه البريء ، ب : ويرميه البريء ، م ، ويرميه إلي اليهودي ، س . ( 7 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 386 . ( 8 ) انظر السمرقندي ، 1 / 386 . ( 9 ) يتعداها ، ب : يتعداه ، م ، يتعدى ، س .