أحمد بن محمود السيواسي

22

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ذات نفسك ، فقال : « أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن بما لا أعلم » « 1 » . فالسماع شرط على من يفسره ولو كان واقفا على أحوال التنزيل ووجوه اللغة والإعراب ، والثاني لا يحتاج إلى السماع بعد أن وقف على أحوال التنزيل ووجوهه لغة وإعرابا وطرق استعمال الألفاظ على المعاني المرادة حقيقة ومجازا وصراحة وكناية ، ووفقه اللّه بنور البصيرة لأن يقف على أسرار القرآن وكيفية استنباط المعاني المكنونة تحت كلماته المصونة لتعلقه بالدراية لقول النبي عليه السّلام لابن عباس رضي اللّه عنه : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » « 2 » ، ولقول علي رضي اللّه عنه : « لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب » « 3 » ، أشار به إلى كثرة معاني القرآن وأسراره ، لا يطلع عليها إلا من وفقه اللّه بنور البصيرة الخاصة ، قال أبو الليث رحمه اللّه في تفسيره : « إذا لم يعلم الرجل وجوه اللغة وأحوال التنزيل فتعلم التفسير وتكلف حفظه فلا بأس بأن يفسره كما سمع ويكون ذلك على سبيل الحكاية » « 4 » ، ففيه إشارة إلى جواز نقل المسموع من التفسير إلى الغير من غير تبديل المعنى . ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ لما روي عن السلف : أن من تكلم في شيء من علم التنزيل ولم يعلم الناسخ من المنسوخ كان ناقصا ، وقد روي المنع عن علي رضي اللّه عنه حين دخل في المسجد ورأى رجلا يفسر القرآن والناس حوله ، فقال له : « أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، فقال : هلكت وأهلكت ، لا تفسر بعد » « 5 » ، ولأن النسخ بيان منتهى الحكم ، والحكم قد يختلف بتبدل مصالح الخلق على اختلاف الأزمنة ، فجاز ذلك . ومنها معرفة المكي والمدني لجواز اختلاف الحكم باختلاف التاريخ والنسبة إلى مكة أو المدينة ، وتحققها باعتبار إقامة النبي عليه السّلام بإحديهما سواء نزلت الآية فيها أو في الخارج عنها ، حيث كان صلّى اللّه عليه وسلّم قريبا منها أو بعيدا ، وقيل : باعتبار البلد وقربه « 6 » . ومنها معرفة نظم التركيب والترتيب بالأصول المعتبرة في فن البلاغة والفصاحة ، فان من تصدى لتفسير القرآن وقد عري عنها احتجت عنه مستودعات حقائقه ومسترات دقائقه ، وباللّه أستعين على إتمام ما نويته ، وأستعيذ من الزلق فيما نحوته ، وأسأله أن يلهمني ما أراد من كتابه العزيز ، ويهديني إلى تحقيقه من البارز والكنيز ، أنه خير مسؤول وأكرم مأمول .

--> ( 1 ) انظر الطبري ، 1 / 78 ؛ والسمرقندي ، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم ، تفسير القرآن العظيم ، ( تحقيق وتعليق : الشيخ علي محمد معوض ، الشيخ عادل أحمد عبد الموجود ، الدكتور زكريا عبد المجيد النوتي ) ، بيروت ، 1413 ه - 1993 م ، 1 / 73 ؛ والبغوي ، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء ، معالم التنزيل في التفسير والتأويل ، بيروت - لبنان ، 1405 ه - 1985 م ، 5 / 524 . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، مسند ، إسطنبول ، 1982 ، 1 / 266 ، 314 ، 328 ، 335 . ( 3 ) ولم أعثر على هذا القول في المصادر . ( 4 ) السمرقندي ، 1 / 73 . ( 5 ) انظر أبو جعفر النحاس ، محمد بن أحمد بن إسماعيل ، كتاب الناسخ والمنسوخ ، مصر ، 1323 - 1905 ، 5 ؛ وهبة اللّه بن سلامة ، أبو القاسم ، الناسخ والمنسوخ ، نيجيريا ، 1387 - 1967 ، 4 . ( 6 ) لعله اختصره من البرهان ، انظر الزركشي ، 1 / 187 .