أحمد بن محمود السيواسي
160
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
وهذا غاية الإنصاف وإنما ضم الأبناء والنساء إلى نفسه في دعاء المباهلة ليتبين الكاذب والصادق وهو يختص به وبمن يكاذبه ، لأن ضمهم إلى نفسه آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له ، فلما سمعوا الآية من « 1 » النبي عليه السّلام ، قالوا حتى ننظر في أمرنا ونأتيك غدا وتفرقوا على الموعدة « 2 » ، ثم ندموا فأتوا النبي عليه السّلام من الغد ، وقد خرج عليه السّلام آخذا بيد الحسن والحسين وخرج معه علي وفاطمة رضي اللّه عنهم « 3 » إلى الموضع الذي واعدهم ، فطلب منهم المباهلة ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن جبلا عن مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا فأبوا المباهلة ، فقال عليه السّلام لهم : إما أن تبتهلوا وإما أن تسلموا وإما أن تقبلوا الجزية فقبلوا الجزية وصالحوه على مال يؤدونه إليه كل عام وانصرفوا إلى بلادهم ، فقال عليه السّلام : « لو أنهم ابتهلوا لهلكوا كلهم حتى العصافير في سقوف الحيطان » « 4 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 62 ] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 62 ) ثم قال تعالى ( إِنَّ هذا ) أي إن خبر عيسى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ) أي الخبر الصادق من أنه عبد اللّه ورسوله لا شك فيه ، والأصل أن يدخل اللام على المبتدأ إلا أن يمنع مانع فيدخل على الخبر ، وههنا قد دخل الفصل ، لأنه إذا جاز دخوله على الخبر كان دخوله على الفصل أجوز ، لأنه أقرب إلى المبتدأ ( وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ ) أي لا شريك له في الألوهية ( وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) في ملكه ينتقم عمن عصاه ( الْحَكِيمُ ) [ 62 ] في أمره ، أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد من خلق عيسى بلا أب ، ومن خلق آدم من تراب ، ومن خلق بنيه من أب وأم وغير ذلك . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 63 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 ) ( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي إن أبوا عن الحق ولم يؤمنوا به ( فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) [ 63 ] وهو وعيد شديد لهم بقوله « زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ » « 5 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 64 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) قوله ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ ) نزل حين قال اليهود : نحن على دين إبراهيم ، فإنه كان يهوديا ، وقال النصارى : نحن على دين إبراهيم وكان نصرانيا ، فقال النبي عليه السّلام : كلاهما بريء منه ، لأنه كان حنيفا مسلما ، ونحن على دينه « 6 » ، فأمر اللّه نبيه بقوله قل لأهل الكتاب « 7 » من اليهود والنصارى ( تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ ) أي إلى كلمة واحد مفيد عدل ( سَواءٍ ) أي يستوي ( بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ) لا يختلف فيه الكتب السماوية ويرتفع الأهواء المختلفة باعتقاده على وجه الإنصاف ، ثم بين الكلمة بقوله ( أَلَّا نَعْبُدَ ) أي لا نوحد ( إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ) من خلقه ( وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي لا نقول : عزير ابن اللّه ولا المسيح بن اللّه ، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوه من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللّه ( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أو أعرضوا عن هذا التوحيد ( فَقُولُوا ) أنتم لهم ( اشْهَدُوا ) أي اعلموا ( بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ 64 ] أي مخلصون للّه بالتوحيد والعبادة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 65 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 65 ) ثم قال اللّه تعالى ( يا أَهْلَ الْكِتابِ ) من اليهود والنصارى ( لِمَ تُحَاجُّونَ ) أي لم تخاصمون ( فِي إِبْراهِيمَ ) أي في دينه زاعمين أنه في دينكم ( وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ) وأنتم سميتم باليهودية والنصرانية بعد
--> ( 1 ) من ، ب س : عن ، م . ( 2 ) الموعدة ، ب م : المواعدة ، س . ( 3 ) عنهم ، س م : عنهما ، ب . ( 4 ) انظر السمرقندي ، 1 / 285 . ( 5 ) النحل ( 16 ) ، 88 . ( 6 ) لعل المفسر اختصره من البغوي ، 1 / 482 . ( 7 ) قل لأهل الكتاب ، ب س : قل يا أهل الكتاب ، م .