أحمد بن محمود السيواسي
159
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 56 ] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 ) ثم أخبر عن حكم كل من الفريقين بقوله ( فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا ) بالسيف والسبي وأخذ الجزية ( وَالْآخِرَةِ ) بعذاب النار ( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) [ 56 ] أي مانع يمنعهم من العذاب . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 57 ] وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 ) ( وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ ) بالياء والنون « 1 » ، أي يعطيهم « 2 » بلا نقص ( أُجُورَهُمْ ) أي ثواب أعمالهم الخير ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) [ 57 ] أي لا يرضي دين الكافرين . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 58 ] ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 ) قوله ( ذلِكَ ) مبتدأ ، خبره ( نَتْلُوهُ ) أي خبر عيسى وغيره من الأخبار التي بيناها في القرآن نقرؤه ( عَلَيْكَ ) يا محمد ( مِنَ الْآياتِ ) حال من ضمير المفعول أو خبر بعد خبر ، أي من البيان المعجز ( وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ) [ 58 ] أي من الكلام المحكم الممنوع من كل خلل لا يقدر عليه أحد أو الناطق بالحكمة وهو القرآن ، وصف بصفة من هو من سببه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 59 ] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) قوله ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ ) نزل حين جاء وفد نجران مع علمائهم إلى النبي عليه السّلام فناظروه في أمر عيسى عليه السّلام ، فقالوا : إنك تقول هو عبد اللّه ورسوله ، قال عليه السّلام : أجل أنه عبد اللّه ورسوله ، فقالوا : هل رأيت ولدا من غير أب ؟ فقال تعالى : إن صفة عيسى عند اللّه « 3 » ( كَمَثَلِ آدَمَ ) أي كصفته ، يعني شبه خلق عيسى كشبه خلق آدم في الغرابة ، قوله ( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) تفسير للمثل لا محل له من الإعراب ، أي خلق اللّه آدم من تراب ، يعني صوره جسدا من طين ( ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ 59 ] أي فكان وهو حكاية حال ماضية ، أي فصار بشرا بغير أب فكذلك خلق عيسى بشرا من غير أب ، فاشتركا في الوجود الخارج عن العادة المستمرة ، بل الوجود في آدم أغرب من وجود عيسى ، لأن الوجود من غير أب وأم أخرق للعادة من الوجود من غير أب ، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع لشبهة الخصم إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 60 ] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 ) قوله ( الْحَقُّ ) خبر مبتدأ محذوف ، أي هو الحق ، يعني خبر عيسى ومثله ثابت ( مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) [ 60 ] أي من الشاكين ، وهذا نهي له ، والمراد غيره أو هو من باب التهييج على الثبات والطمأنينة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 61 ] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 ) ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ) أي فمن خاصمك من النصارى في حق عيسى ( مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) أي من البينات الموجبة للعلم في أمر عيسى ( فَقُلْ تَعالَوْا ) أي هلموا ( نَدْعُ أَبْناءَنا ) أي حسنا وحسينا ( وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا ) أي فاطمة ( وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا ) أي النبي عليه السّلام وعليا زوج فاطمة رضي اللّه عنهما ( وَأَنْفُسَكُمْ ) يعني لنجتمع نحن وأنتم في موضع ( ثُمَّ نَبْتَهِلْ ) بالجزم عطف على « نَدْعُ » المجزوم في جواب الأمر ، أي نلتعن ، من البهل وهو اللعن ثم استعمل الابتهال لكل دعاء خير أو شر وإن لم يكن التعانا ( فَنَجْعَلْ ) بالجزم عطف عليه ، أي فنفعل ( لَعْنَتَ اللَّهِ ) بالدعاء على وجه التضرع ( عَلَى الْكاذِبِينَ ) [ 61 ] منا ومنكم في حق عيسى عليه السّلام ،
--> ( 1 ) « فيوفيهم » : قرأ حفص ورويس بالياء التحتية ، والباقون بالنون . البدور الزاهرة ، 65 . ( 2 ) يعطيهم ، س : نعطيهم ، ب م . ( 3 ) هذا مأخوذ عن البغوي ، 1 / 479 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 87 .