أحمد بن محمود السيواسي
153
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
السنة « 1 » ، قيل : لما وضعتها حنة لفتها في خرقة ، ثم أتت بها إلى بيت المقدس ، ووضعتها عند المحراب فاجتمعت الأحبار في المسجد ، فقالت حنة لهم : خذوا مني هذه النذيرة للخدمة في المسجد ، فرغبوا فيها ، لأنها كانت بنت إمامهم ، فقال زكريا : أنا أحق بها ، لأن خالتها عندي ، فقالوا : أمها أحق بها من خالتها ولكنا نتقارع بالقاء الأقلام في النهر ، وكانت أقلامهم من النحاس ، فخرجوا إلى عين سلوان ، فألقوا أقلامهم فيها ، فغابت أقلامهم في الماء فبقي قلم زكريا على وجه الماء ، فعلموا أن الحق له « 2 » ( وَكَفَّلَها ) بتشديد الفاء « 3 » ، أي ضمها اللّه ( زَكَرِيَّا ) بالمد والقصر « 4 » ، وبتخفيف الفاء ، أي ضمها زكريا إلى نفسه وهو معنى قوله « فتقبلها ربها » الآية ( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ ) أي غرفتها من المسجد ، والمحراب أشرف المجالس في اللغة ، قيل : إنه بنى لها غرفة في المسجد ، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط ، لا يصعد إليها إلا بالسلم ، واستأجر لها ظئرا تربيها ، وكان إذا خرج يغلق عليها الباب ، ولا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت « 5 » ، وإذا دخل عليها في أيام الشتاء ( وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ) أي فاكهة الصيف وفي أيام الصيف فاكهة الشتاء ( قالَ ) زكريا ( يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ) أي من أين لك هذا الرزق ؟ ولا يدخل عليك أحد غيري ( قالَتْ هُوَ ) أي هذا الرزق ( مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) أي من جنته تكلمت صغيرة كما تكلم عيسى في المهد ( إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) [ 37 ] أي بغير تقدير لكثرته وفي غير آوانه أو بلا محاسبة أو من حيث لا يحتسب . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 38 ] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ( 38 ) قوله ( هُنالِكَ ) أي حيث كان قاعدا عند مريم في المحراب ورأى حصول الفاكهة في غير أوانها فتنبه على إمكان ولادة العاقر وكان آيسا من ذلك ( دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي ) أي ارزقني ( مِنْ لَدُنْكَ ) أي من عندك ( ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) أي ولدا صالحا ، والذرية تقع على الواحد والجمع ( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) [ 38 ] أي مجيب الدعوات . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 39 ] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) ( فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ ) بالياء لإرادة معنى الجنس ، وبالتاء « 6 » لتأنيث « 7 » لفظ الجماعة ، والمراد بالقراءتين جبرائيل عليه السّلام ، أي ناداه جبرائيل عليه السّلام ( وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ ) الواو في الجملة واو الحال ، أي ناداه حال كونه في الصلاة ( أَنَّ اللَّهَ ) بكسر الهمز « 8 » على إضمار القول وبفتحها « 9 » على أنه مفعول ثان « 10 » ل « نادته » ، يعني قالوا : إن اللّه ( يُبَشِّرُكَ ) بالتشديد من التبشير وبالتخفيف « 11 » ، من أبشر أو من بشر معلوما ( بِيَحْيى ) أي بولد ، اسمه يحيى ، لأنه حيي به « 12 » رحم أمه أو لأنه يحيي المجالس من وعظه ، وهو لا ينصرف لوزن الفعل والتعريف كزيد ويشكر أو للعجمة والتعريف إن كان أعجميا « 13 » ( مُصَدِّقاً ) حال من « يحيى » ، أي مؤمنا ( بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ )
--> ( 1 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 1 / 456 . ( 2 ) اختصره من السمرقندي ، 1 / 263 ؛ والبغوي ، 1 / 456 . ( 3 ) « وكفلها » : قرأ الكوفون بتخفيف الفاء والباقون بالتشديد . البدور الزاهرة ، 62 . ( 4 ) « زكريا » : قرأ حفص والأخوان وخلف بالقصر من غير همز ، والباقون بالمد مع الهمز ورفعه إلا شعبة فبالنصب . البدور الزاهرة ، 62 . ( 5 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 264 . ( 6 ) « فنادته » : قرأ الأخوان وخلف بألف بعد الدال ، والباقون بتاء ساكنة بعدها . البدور الزاهرة ، 63 . ( 7 ) لتأنيث ، ب س : التأنيث ، م . ( 8 ) الهمز ، ب م : الهمزة ، س . ( 9 ) « أن اللّه » : قرأ ابن عامر وحمزة بكسرة همزة « إن » ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 63 . ( 10 ) ثان ، ب م : ثاني ، س . ( 11 ) « يبشرك » : قرأ الأخوان هنا في الموضعين بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففة ، والباقون بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة . البدور الزاهرة ، 63 . ( 12 ) حيي به ، ب م : حيى ، س . ( 13 ) أعجميا ، ب س : عجميا ، م .