علي بن أحمد المهائمي
9
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
( إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ) إذ وعد الصبر عند ذبح نفسه فوفى به ( وَ ) لكونه جامعا للفضائل عن هذا الاخلاص ( كانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) لكونه مكملا فيها أهله ( وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ ) الذين هم أقبل لنور الكمال منه ( بِالصَّلاةِ ) ليتصلوا بها بربهم ( وَالزَّكاةِ ) ليتطهروا عن النقائص في مقامات القرب ( وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) لا نقص في شئ من أحواله ومقاماته وأخلاقه واعماله وهو مستوجب لرضا الخلق فكان موهوبا له على العموم بعد هبة الأهل بالخصوص ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) الإلهي نيابة عنه رحمته ( إِدْرِيسَ ) هبة دوام الحياة المقصود من اعطاء الولد باخراجه من عالم الكون والفساد واعطائه أعلى الأماكن فكأنّه المطلوب من اعطاء الأولاد الأنبياء والأولياء والأهل الصالح لمكان صديقيته ( إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً ) فرفعته صديقيته هذه الرتبة كما رفعته إلى رتبة النبوّة إذ كان ( نَبِيًّا ) ولكن النبوّة رفعة معنوية ( وَرَفَعْناهُ ) مع تلك الرتبة ( مَكاناً عَلِيًّا ) بالمكانة وهو السماء الرابعة التي هي أعلى الطبقات منزلة لتوسطه ولذلك كانت محل الشمس التي هي كالملك ينزل وسط مملكته ليدل هذا الظاهر على الباطن في حق كل صديق ولا يبعد أن يكون يحيى وعيسى وإسحاق ويعقوب موهوبين لمن ذكر إذ ( أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) بهبة هؤلاء مع كونهم ( مِنَ النَّبِيِّينَ ) هبات لآخرين كادريس لآدم لأنه ( مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ) وان كان بينهما أوساط منهم شيث لكن آدم لمزيد جمعيته أولى بكونه موهوبا له إدريس ( وَ ) لكن ينسب إلى الأقرب إذ كان مؤمنا كإبراهيم فإنه ( مِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ) لا إلى أبيه لكفره ولا إلى نوح لايهامه كونه موهوبا له مع أنه قد جعل في سورة الأنعام من ذرية إبراهيم المعنوية ولذلك لم يصرح بكون إبراهيم من ذرية المؤمنين من أمته على أنه في الظاهر من ذرية نوح ( وَ ) إذا وهب لإبراهيم مثل نوح فلا يبعد هبة اسحق ويعقوب له لكونهما ( مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَ ) لا يبعد كون يحيى مع جلالة شأنه هبة لزكريا لان لقربه مزيد تأثير في ذلك لذلك جعل زكريا من ذرية ( إِسْرائِيلَ ) دون إبراهيم بل القرب يجعل النبي هبة للمولى ( وَ ) لذلك جعل عيسى هبة لمريم لكونها ( مِمَّنْ هَدَيْنا ) فسلك ( وَاجْتَبَيْنا ) فجذب لكن مع هذه الفضائل لم يصرح بكونه ذرية لها ههنا وان صرح بكونه هبة لها أولا ليعلم انه هبة لها من وجه دون وجه ولجعل اللّه الأنبياء هبات لمن دونهم وهي اذلال لهم لم يزالوا خائفين وان نزلت عليهم آيات الرحمة لذلك ( إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا ) أي وقعوا ( سُجَّداً ) استثعارا بان أصلهم الذلة وانما ارتفعوا بالرحمة ( وَبُكِيًّا ) من خوف ابدال الرحمة بالعذاب وهذا المخوف وان لم يقع في حقهم لخوفهم وقع في المغترين بهم من ذرياتهم ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي من بعد ما عملوا من حالهم ( خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ ) المتضمنة للسجود والأذكار المستدعية للبكاء ( وَ ) أتوا بما ينافي البكاء والأمور المرضية من الاخلاق والاعمال وهو انهم ( اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ) فانهمكوا في المعاصي التي هي بريد الكفر ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) أي جزاء الضلال العظيم الجامع بين الكفر والمعاصي قيل هو واد في جهنم أشدها حرا وأبعدها قعرا ويروى في الحديث الغى والآثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار ( إِلَّا مَنْ تابَ ) من إضاعة الصلاة واتباع الشهوات فإنه لا يلقى غيا كيف