علي بن أحمد المهائمي

10

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )

( وَ ) انما تاب لأنه ( آمَنَ ) والايمان وحده مجوّز للمغفرة فكيف إذا اجتمع مع التوبة كيف ( وَ ) انما تاب لمعرفة ضرر إضاعة الصلاة واتباع الشهوات ونفع اتيان الصلاة وترك الشهوات ومثل هذا لا محالة ( عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ ) كيف يلقون غيا وهم بايمانهم وأعمالهم الصالحة ( يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ ) ان عذبوا بترك الصلاة واتباع الشهوات مع الايمان والقبائح لعدم التوبة ( لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) حتى يلقون غيا فكيف مع التوبة ولا يتضررون بتحمل مشاق الصلاة وترك اتباع الشهوات في الحال أيضا لأنهم بقوّة ايمانهم المؤيدة باعمالهم كأنهم الآن يدخلون ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) أي إقامة فكأنهم أقاموا فيها بما وثقوا من وعده إذ هي ( الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ ) مع أن رحمته تقتضى اعطاءها من غير وعد فكيف إذا وعد سيما إذا وعد ( عِبادَهُ ) الخواص وهو وان كان ( بِالْغَيْبِ ) فليس ممّا يجوز الخلف فيه حتى لا يترك له اللذات المحققة الدنيوية ( إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) فكأنه آتيهم الآن ثم شهوات الدنيا وان حصلت كامله فلا تخلو عن نزاع يسمع به كلمة لغو وهؤلاء إذا تلذذوا بربهم فكأنهم في جنة ( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً ) فإنه يسلم لهم الكل ولا يفوتهم الشهوات المحسوسة في الدنيا بل هم في هذا الباب كأنهم في جنة ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) يأتيهم من بيوت الناس من غير تعب ولا يفوتهم بذلك الجنة الأخروية إذا لم يكن ذلك مطلوبهم بل يحصل لهم منها نصيبهم ونصيب من يرثونها منهم إذ ( تِلْكَ الْجَنَّةُ ) وان كانت من خلق الرحمن فحقها ان يرحم بها مقيمى الصلاة وتاركيها ومتبعى الشهوات ومجتنبيها هي ( الَّتِي نُورِثُ ) من غير المتقى ( مِنْ عِبادِنا ) وان انتسبوا إلى عظيم رحمتنا ( مَنْ كانَ تَقِيًّا ) فإنه يأخذ نصيبه ونصيب غير المتقى بمقتضى عموم الرحمة رعاية للحكمة ( وَ ) لا يبعد التخصيص في الرحمة العامة مع وقوعه في الرحمة الخاصة فان منها انزال الملائكة على الأنبياء ولا يعم أوقاتهم بل يختص ببعضها فانا ( ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) الجامع للكمالات فلا يمكننا مخالفته على أن مخالفته اما بالتقدم أو بالتأخر أو بالاستقرار على ما نحن عليه قبل الامر لكنا نخاف في التقدم اتلاف أمر نستقبله كالآخرة إذ ( لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ) في التأخر اتلاف أمر قد قطعناه كالاعمال إذ له ( ما خَلْفَنا وَ ) في الاستقرار على ما نحن عليه بخلاف أمره نخاف تغير أحوالنا إلى الشيطنة مثلا إذ له ( ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ) كيف لا نفعل ذلك وهو مشعر بنسيان الامر لكن ( ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) ومقتضى ربوبيته تربيتك بالامر والنهى وقد ربى لك الكل إذ هو ( رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ) يفيض عليها الوجود الذي هو من أعراضها كل حين فلو غفل عن ذلك ساعة هلكت رباها لأجلك لينعم بها عليك فتشكره بعبادته المترتبة على الامر والنهى ( فَاعْبُدْهُ وَ ) لو شقت عليك ( اصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ) استكمالا لتربيته واحترازا عن عبادة النفس والهوى التي لا تستحق العبادة إذ لا يستحقها غيره والا لتسمى باسمه ولو مجازا لكن ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) أي هل تعرف أحدا اجترأ على تسمية نفسه أو غيرها باسمه حقيقة أو مجازا ( وَيَقُولُ الْإِنْسانُ ) الذي أعطى العقل لينظر في العواقب وأنعم عليه بخلق السماوات والأرض وما بينهما ليعرف المنعم فيشكره ويعبده فيجازى على فعله