علي بن أحمد المهائمي
8
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
( إِنِّي أَخافُ ) من عداوتك للّه الذي رحمك فلم تطعه وأطعت عدوه ( أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ) بدل رحمته بان يقطعها عنك كما قطعها عن الشيطان ( فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ) أي مقارنا له ومشاركا معه في عذابه فلم ينتبه لشئ من انذاراته ولم يسمع لشئ من نصائحه ولم يبصر لشئ من دلائله بل ( قالَ ) من افراط ظلمه وغلوه في الضلال ( أَ راغِبٌ ) أي امائل ( أَنْتَ ) مع كونك دونى ( عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ ) لم يقل يا ابني تنبيها على براءته من بنوته ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ) عن القول فيها وعن انذاراتك ونصائحك ودلائلك ( لَأَرْجُمَنَّكَ ) أي لأرمينك بالحجارة من افراط غضبى عليك بدل ما ترحمتنى في ضمن ندائك باسم الأب مرارا ( وَ ) لو أردت رحمتي مع اصرارك على الميل عن آلهتي ( اهْجُرْنِي ) أي تباعد عنى ( مَلِيًّا ) زمانا طويلا ( قالَ ) بطريق التوديع والمتاركة ( سَلامٌ عَلَيْكَ ) لتسلم عن معصية رجمى ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) ليسلمك عن هذا الاعتقاد الردىء ليرحمنى بالاراحة عن الهموم المشار إليها ( إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ) أي مبالغا في اللطف بي ( وَ ) لو لم تسلموا عن اعتقادكم ( أَعْتَزِلُكُمْ ) لاسلم عن شقاوتكم ( وَ ) اعتزل سبب شقاوتكم وهو عبادة ( ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) بل عبادة الدون شقاوة كما أن عبادة الاعلى سعادة ( وَ ) لذلك ( أَدْعُوا رَبِّي ) وأقل ما فيها من السعادة انها تنجى من الشقاوة وهي وان لم اجزم بها لكثرة أسبابها لكن سبب السعادة وان كانت واحدة يرجى غلبتها ( عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) نجيناه من الشقاوة عن صحبتهم وعن ملابسة أسباب الشقاوة كلها حتى الدنيوية بالانفراد وآتيناه من سعادة الدارين إذ ( وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَ ) انما كانا من أسباب سعادة الدارين إذ ( كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا ) ولا سعادة في الدارين أكمل من النبوّة اما كونها سعادة الآخرة فلا يخفى واما كونها سعادة الدنيا فلانها اما بالنظر في ذات المسعود ( وَ ) قد حصلت لهم إذ ( وَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا ) ولاية النبوّة المقتضية للمقامات العلية والأحوال السنية والاخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة واما بالنظر إلى خارج الذات ( وَ ) اجلها الجاه وقد حصل لهم على أكمل الوجوه إذ ( جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) أي ثناء صادقا يفيد علو رتبتهم في قلوب الخلائق كلهم بخلاف ثناء الملوك على لسان الكذابين فإنه لا يعلى رتبتهم الا في قلوب العوام العماة عن الحقائق فلا عبرة به ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) الإلهي نيابة عنه رحمته ( مُوسى ) بهبة أخيه إياه نبيا وتنزيله مكان الابن في التقوية مع أن الأخ دون الابن في النسبة لكن سرى اليه سره بأدنى ملابسة سريان السر من الأب إلى الابن لمكان اخلاصه التوحيد ( إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً ) له التوحيد فوق توحيد الصديق ( وَ ) لذلك جمع الفضائل حتى ( كانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) لمزيد جمعيته الفضائل ( وَنادَيْناهُ ) جذبا له إلى مقام عظمتنا ( مِنْ جانِبِ الطُّورِ ) الذي هو مظهر كمالاتنا ( الْأَيْمَنِ ) لموسى اشعارا له بتقوية جانبه لئلا يضعف في تحمل أعباء القرب ( وَ ) بعد تقويته ( قَرَّبْناهُ نَجِيًّا ) أي كليما إذ كلمناه بلا واسطة ( وَ ) لتقويته عند الرد على تحمل أعباء الرسالة ( وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا ) التي هي إفاضة الأنوار ( أَخاهُ هارُونَ ) ليشد أزره في أداء الرسالة إذ كان ( نَبِيًّا وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) الإلهي نيابة عنه رحمته ( إِسْماعِيلَ ) بهبة جميع الخلائق سيما أهله لمزيد اخلاصه ببقائه عند التجربة