علي بن أحمد المهائمي

5

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )

الرسول ( لَها ) أي لرؤيتها ( بَشَراً ) لا حيوانا آخر ( سَوِيًّا ) لم ينقص من صورة البشر شيأ لئلا تنفر من رؤيته فلما رأته في مكان الخلوة ولم تعرفه ظنت انه يريد مواقعتها وهي عفيفة ( قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ ) أي الذي رحم بالايمان والخوف منه إذا سمع اسمه لتنزجر به ( إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) تخافه عند سماع اسمه والاستعاذة به فلا يجترئ على المستعيذ به ( قالَ ) لست بشرا فاجرا ( إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ) أرسلني إليك بروح منه ( لِأَهَبَ لَكِ ) بنفخ الروح على يدي وقرى لأهب لك أي لاكون سببا في الهبة ( غُلاماً ) فوق ما وهبك أمك ( زَكِيًّا ) أي طاهرا عن المعاصي والرذائل ناميا في الخيرات ( قالَتْ أَنَّى ) أي كيف ( يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ) أي لم يطأنى بنكاح ( وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) أي فاجرة تبغى الرجال ( قالَ ) يكون لك الولد وأنت ( كَذلِكِ ) أي على الحال التي أنت عليها ( قالَ رَبُّكِ ) أي الذي رباك بالكرامات ( هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) إذ لا افتقر إلى الوسايط فنخلقه لاظهار غناي عنها ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ) على بعثهم يوم القيامة بلا واسطة الاباء والأمهات ( وَرَحْمَةً مِنَّا ) عليك بهذه الكرامة وعلى سائر الناس بالهداية وابراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى وغير ذلك ( وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ) شئت أم أبيت ولما سمعته يقول انما أنا رسول ربك ورأته لا يمدّ يده إليها وقع في قلبها صدقه ومالت اليه ولما سمعته يقول لأهب لك غلاما زكيا وقطع ترددها بقوله وكان أمرا مقضيا سرى في باطنها الشهوة فأمنت فنفخ جبريل في جيب درعها فوصلت النفخة إلى باطنها حاملة للرطوبة الموهوبة من النفخة فصارت الرطوبتان بمنزلة اجتماع منى الرجل ومنى المرأة ليكون منهما جسد عيسى ( فَحَمَلَتْهُ ) أي صارت في الحال حاملة به وتصوّر الولد وكبر في بطنها من غير مدة مديدة ( فَانْتَبَذَتْ بِهِ ) أي اعتزلت بسببه فأخذت ( مَكاناً قَصِيًّا ) أي بعيدا من قومها خوف الفضيحة فلم يمكث الولد في بطنها الامدة وصولها إلى ذلك المكان ( فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ) أي فالجأها ألم الولادة ( إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) التي لا سعف لها ولا رأس ولا ثمر لتتمسك به من شدة الألم وقد ازداد من خوف التهمة إلى حيث ( قالَتْ يا ) موت تعال ( لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا ) الحمل ( وَكُنْتُ ) منسية ( نَسْياً مَنْسِيًّا ) ذلك النسى أيضا من خوف الملامة ووقوع الناس في المعصية ( فَناداها مِنْ تَحْتِها ) أي عيسى بعد ما ولدت ( أَلَّا تَحْزَنِي ) للتهمة فان اللّه يقلعها بما يعطيك من الكرامات ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ ) بضرب رجلي ( سَرِيًّا ) اى نهرا جاريا ( وَهُزِّي إِلَيْكِ ) اى حرّكى إلى نفسك إذا اخذت ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) المذكورة ( تُساقِطْ ) أي تتساقط ثمارها ( عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) جاء أو ان اجتنائه وانما خصصت بهاتين الكرامتين لتستعين بهما في دفع الجوع والعطش ( فَكُلِي ) ما يختار للنفساء من الرطب ( وَاشْرَبِي ) من النهر ( وَقَرِّي عَيْناً ) بولدك ذي الارهاصات فلا تبالى للتهمة ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ ) أي فان تحقق رؤيتك ( مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ) يسألك عن حالك ( فَقُولِي ) بطريق الايماء ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ ) الذي رحمني بهذه الكرامات باعطاء هذا الولد ذي الارهاصات على أنه ان خلصني من التهمة لأصومنّ له ( صَوْماً ) أي امساكا عن الطعام والكلام لا مع اللّه وملائكته بل مع الانس ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) اى شخصا منسوبا إلى جنس الانس بل يكلم الصبى عنى