علي بن أحمد المهائمي

6

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )

ليكون اقلع للتهمة ولما سمعت منه هذا الكلام ورأت منه الارهاصات لم يبق فيها مبالاة للتهمة ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ) افتخارا به ( قالُوا يا مَرْيَمُ ) ملاحظين أصل معناها وهو العابدة واللّه ( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ) أي بديعا لم يكن في أهل العبادة ( يا أُخْتَ هارُونَ ) من أبويه أو من أبيه وكان أصلح الناس وحق الفرعين ان يتماثلا فثمرتا شجرة واحدة لا تختلفان حلاوة وحموضة بل حق الفرع ان يتبع الأصل وأنت ( ما كانَ أَبُوكِ ) عمران ( امْرَأَ سَوْءٍ ) بل قدوة لأهل الصلاح ( وَ ) لو قيل إن أخاك انما تبع أباك وأنت تبعت أمك ( ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) فاجرة ( فَأَشارَتْ ) إلى أنها نذرت صوما وان الجواب مفوض ( إِلَيْهِ ) أي إلى ولدها ( قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ ) لا يتصوّر منه الجواب إذ ( كانَ ) مستقرا إلى الآن ( فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) فنسبت إلى السفه فانطقه اللّه من غير أن يستنطقه أحدهم قلعا للتهمة إذ ( قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) أي المنسوب إلى اسمه الجامع ويبعد حصول هذه الجمعية التي هي دليل الكرامة لولد الزنا ولجمعيتى ( آتانِيَ الْكِتابَ ) أي الإنجيل ( وَ ) انما آتاني الكتاب لأنه ( جَعَلَنِي نَبِيًّا ) يدل على صدقي في دعوى النبوّة انه ( وَجَعَلَنِي مُبارَكاً ) كثير الخيرات ( أَيْنَ ما كُنْتُ ) من أمور الدنيا والدين ( وَ ) انما كثرت خيراتى لأنه ( أَوْصانِي ) أي أمرني أمرا مؤكدا ( بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ) بنفسي وبسائر المؤمنين لأحفظ عمارة باطني بعمارة الظاهر لاحتياجى إلى عمارة الظاهر ( ما دُمْتُ حَيًّا ) لئلا يسرى الفساد من الظاهر إلى الباطن هذا في حق اللّه ( وَ ) في حق الخلق جعلني ( بَرًّا بِوالِدَتِي وَ ) في حق العامة الذين لا يتصور معهم عموم البر ( لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً ) عليهم وان جعلني حاكما عليهم وهذا يدل على أنه لم يجعلني ( شَقِيًّا ) حتى يتصور منى الدعاوى الكاذبة وكيف اشقى ( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ) فلم يمسسني الشيطان ( وَيَوْمَ أَمُوتُ ) فلا يكون له علىّ سلطان ولا يكون على سؤال منكر ونكير ولا على عذاب قبر ( وَيَوْمَ أُبْعَثُ ) فلا افزع من أهوال القيامة فاكون فيه ( حَيًّا ) أطيب حياة ويبعد كل البعد حصول هذه الكرامات والارهاصات لولد الزنا فلما رد بذلك على اليهود القائلين بأنه ولد الزنا رد على النصارى بقوله ( ذلِكَ ) القائل ( عِيسَى ) لا اللّه إذ لا يتصور ان يقول شيأ مما ذكر ( ابْنُ مَرْيَمَ ) لا ابن اللّه إذ لا يتصور منه أكثر هذه الأقوال واما احياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص فهو ( قَوْلَ الْحَقِّ ) لها باعتبار ظهوره على لسان عيسى إذ هو ( الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) أي يتنازعون في كونه قوله أو قول ربه فلم يعلم أنه قوله أو قول الحق لكنه قد علم هذه الأمور من فعل اللّه في غير صورة النزاع فتحمل عليه صورة النزاع وكيف تكون لعيسى وهو اما بالإلهية وهي منتفية عن المولود لحدوثه أو بالولدية لكنه ( ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ) لأنه من خواص الحيوانات التي تموت فتخلف أولادها ( سُبْحانَهُ ) من أن يكون من الحيوانات أو يلحقه الموت ولا يحتاج في احداث شئ إلى مباشرة امرأة لأنه ( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) والحاصل بامركن لا يختلف بكونه ولدا تارة وعدم ولد أخرى ( وَ ) لو تصوّر للّه ولد لم يكن عيسى لما صرح به بقوله ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ) لا على معنى انه رباني بحيث أستحق أن أعبد إذ لا يتأتى في ربكم مع قوله ( فَاعْبُدُوهُ ) على أن قوله ( هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) يدل على أن عبادة