علي بن أحمد المهائمي
4
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
من انسان ونطفة وعلقة وعناصر فوجدت مادتك بلا شئ أصلا فضلا عن سبب فلا يبعد أن يحصل لك ولد من غير سبب مؤثر بالكلية لا في الظاهر ولا في الباطن فغاية الامر انه حصل بسبب لا أثر له سوى هذه النسبة ( قالَ رَبِّ ) انك وان ربيتنى بهذا الولد لكن جعلت هذه الآية في ذات الولد ( اجْعَلْ لِي آيَةً ) تكميلا لتربيتك واشتغالا بشكرك قبل ظهور نعمتك ( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ) أي تمتنع عليك مكالمتهم ( ثَلاثَ لَيالٍ ) لكونك في حكم الغائب عنهم لافراط اشتغالك بالحق ( سَوِيًّا ) بلا مرض في بدنك ولا في لسانك وليس ذلك بالفناء في اللّه بل حال الرد إلى الخلق ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ ) الذي كان فيه في حكم الغائب عنهم فرد إليهم لتكميلهم ( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ) أي أشار إليهم ( أَنْ سَبِّحُوا ) أي صلوا للّه ( بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) أي ناظرين إلى ظهوره في الخلق مع بطونه فلا يحجبكم أحدهما عن الآخر وان غلب عليكم نور الحق ولعدم احتجابه بأحدهما عن الآخر عبر عنها بالأيام في سورة آل عمران ولسريان نور الجمعية منه إلى ولده قلنا له ( يا يَحْيى ) المخلوق لاحياء الظاهر بالاعمال والباطن بالأخلاق والأحوال والعلوم ( خُذِ الْكِتابَ ) الجامع لها وهو التوراة ( بِقُوَّةٍ ) أي عزيمة في العمل والتخلق بما فيه وفهم ظاهره وباطنه بحيث يتحقق فيك ميراث أبيك وميراث آل يعقوب ( وَ ) يسرنا له ذلك إذ ( آتَيْناهُ الْحُكْمَ ) أي استنباطه بطريق الاجتهاد ( صَبِيًّا ) فلا يعسر عليه الترقي إلى ما ذكر ( وَ ) لم يكن كماله لازما بل متعديا إذ آتيناه ( حَناناً ) أي رحمة يرحم بها الخلق لتحققه بأسمائنا لا بطريق الاكتساب بل موهوب له ( مِنْ لَدُنَّا وَ ) لم يدّع بذلك كمالا لنفسه إذ اتيناه ( زَكاةً ) أي طهارة عن الخبائث التي من جملتها الدعاوى الفاسدة ( وَ ) لم يقصد بذلك طلب جاه ولا مال إذ ( كانَ تَقِيًّا ) عن طلب ما سوى اللّه هذا فيما بينه وبين اللّه ( وَ ) اما فيما بينه وبين الخلق فكان ( بَرًّا بِوالِدَيْهِ ) محسنا لخدمتهما ولما لم يتصوّر في حق الجميع قال في حقهم ( وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ) بابطال حقوقهم ( عَصِيًّا ) بترك تعليمهم وامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإرادة السوء بهم ثم أشار إلى عصمته وقربه فقال ( وَسَلامٌ ) من اللّه وملائكته ( عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ) فلم يمسه فيه الشيطان ولم يملكه الهوى والغضب ( وَيَوْمَ يَمُوتُ ) فلم يكن للشيطان عليه سلطان ولم يكن له التفات إلى ما ترك من الدنيا ولا سؤال القبر ولا عذابه ( وَيَوْمَ يُبْعَثُ ) فلم تحزنه أهوال القيامة فكان ( حَيًّا ) أطيب حياة فيه ( وَاذْكُرْ ) يا نبي الرحمة للأمة المرحومة مما يصل إليهم بواسطتك أتم مما يصل إليهم بدونها ( فِي الْكِتابِ ) الإلهي نيابة عن اللّه وهو وان كان عبارة عن القلم الاعلى فهو عين باعتبار أن ما سوى اللّه فائض من نوره صلوات الرحمن عليه حقيقتك رحمة ربك أمته ( مَرْيَمَ ) إذا عطاها ولدا بلا والد ودعاء أحد فهو أعجب من ولد زكريا رحمهما اللّه ( إِذِ انْتَبَذَتْ ) أي اعتزلت ( مِنْ أَهْلِها ) لئلا يشغلوها عن العبادة فاستقرت ( مَكاناً شَرْقِيًّا ) اى شرقي بيت المقدس لطلب اشراق أنوار الحق ( فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ) لئلا تحجبها رؤية الخلق عن أنوار الحق فكشفنا لها عن عالم الملكوت ( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها ) جبريل يحمل ( رُوحَنا ) اى المنسوب إلى مقام عظمتنا لغاية كماله لينفخ فيها بعد ان تمنى ليكون مادة لجسد عيسى ( فَتَمَثَّلَ ) أي فتصوّر