علي بن أحمد المهائمي
30
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
في المجردات والا استكبرت عن عبادته لكن ( مَنْ عِنْدَهُ ) بقوة تجرده الموجب مزيد المناسبة معه ( لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ ) لا يتركونها كسلا بل ( لا يَسْتَحْسِرُونَ ) أي لا يعيون عن عبادته وقت التجلي بل ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) الاسم الباطن والظاهر أن يتقيدا بمظاهرهما ( لا يَفْتُرُونَ ) عن التنزيه وان كانوا لا يزالون يزدادون مراتب بنجليهما هل اتخذوهم آلهة عند التجلي الذي لا يزالون ينزهون فيه ( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً ) محجوبين بالحجاب الظلماني لكونهم ( مِنَ الْأَرْضِ ) إذ يعتقدون فيهم انهم ( هُمْ يُنْشِرُونَ ) أي يخرجون ما في العدم إلى الوجود لكن تعدد الآلهة مانع من النشر فإنه ( لَوْ كانَ ) يتصرف ( فِيهِما ) أي في السماء والأرض ( آلِهَةٌ ) متعددة بل واحد قاصر ( إِلَّا اللَّهُ ) أي غيره ( لَفَسَدَتا ) أي بقيتا على العدم لأنه لو استغنى عنهما لم يكن النشر لهما ولا لأحدهما وان احتيج إلى كليهما لم يستقل أحدهما بدون الآخر فكانا قاصرين ولا يصلح النشر وان احتيج إلى أحدهما دون الاخر كان المحتاج اليه هو الناشر دون الآخر وإذا كان التعدد والقصور مانعين من النشر ( فَسُبْحانَ اللَّهِ ) ان يشارك في الايجاد بل هو منفرد به لاتصافه بغاية الكمال لاختصاصه بوصف ( رَبِّ الْعَرْشِ ) المحيط بالأشياء إحاطة تقتضى احاطته بالكمالات فلا بد من تنزهه ( عَمَّا يَصِفُونَ ) من النقائص التي من جملتها المشاركة في الايجاد وهذا الوصف منهم وان كان بايجاده إياه فيهم ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) لأنه بحسب استعدادات حقائق الأشياء ( وَهُمْ ) وان توهموا بذلك كونهم مجبورين ( يُسْئَلُونَ ) لأنهم لم يجبرهم اللّه بالحقيقة وانما يجبرهم استعداداتهم فان زعموا انه وان تنزه عن مشاركة من يساويه فلا يتنزه عن مشاركة من دونه فيقال لهم هل اتخذوا آلهة يساوونه ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) لان الإلهية تقبل التفاوت ( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) العقلي على قبولها التفاوت فان زعموا انه نقلي فلا يعتبر في النقل الا ما ظهر شرفه وهو الكتب السماوية وقد اجتمعت في كتابك فهو الجامع لشرف الكل ( هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ) من الصحابة ( وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ) من أمم الأنبياء ولا شرف لكلام الآباء ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ) الذي به الشرف فان أمروا بالنظر ليحصلوا هذا الشرف ( فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) كيف يكون لكلامهم الشرف وقد قابلوا كلام الشرفاء الذين قالوا بالتوحيد الذي هو أتم وجوه الشرف سيما الأنبياء فإنه ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ) وكيف لا نرسل بذلك وهو يدعوهم إلى العبادة كأنه يقول أنا المستحق للعبادة ( فَاعْبُدُونِ وَقالُوا ) قد أوحى اللّه إلى بعض الرسل ما يدل على الشرك وهو انه ورد في الإنجيل انه ( اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ) فيقال لهم ليس على ظاهره لوجوب أن يسبح اللّه ( سُبْحانَهُ ) الكامل ( بَلْ ) معناه انهم مع حدوثهم الدال على أنهم ( عِبادٌ ) هم ( مُكْرَمُونَ ) باطلاق لفظ الولد عليهم مجازا ويدل على بقاء عبوديتهم ومع هذا الاكرام انهم ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ) فلا يقولون ما لم يقل رعاية لأدب العبودية ( وَ ) مراعاتهم لها في الافعال اظهر إذ ( هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) وكيف يخرجون عن عبوديته مع احاطته بهم لأنه ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَ ) كيف يخرجون عن عبوديته ولا يقدرون على أدنى وجوه معارضته لأنهم