علي بن أحمد المهائمي

17

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )

أُمِّكَ ) مثل ( ما يُوحى ) إلى الأنبياء بلسان الملك ان من خاف البر ركب البحر فعليك ( أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ) ليظهر باجرائها من غير مجر على أن من شانها ان لا تجرى أصل الارهاص لولدك والكرامة لك ( فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ) اى البحر متوكلة على خالقه ان يأمره بالالقاء ( فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ) والهرب وان كان من مكان العدوّ إلى غيره فهنا من الغير اليه فإنه ان لم يلقه اليم بالساحل ( يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي ) بدعوى الإلهية لنفسه ونفيها عنى ( وَعَدُوٌّ لَهُ ) لدعوته إلى ( وَ ) لا تبالى بعداوته إذ ( أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) توجب محبة الكل فعلت ذلك ليحصل لك الامن الكلى ( وَلِتُصْنَعَ ) أي ولتربى بيدي العدوّ ( عَلى عَيْنِي ) اى نظري بالحفظ حتى يتم تربيتك بحضانة أمك ورضاعها ( إِذْ تَمْشِي ) على الساحل مع التابوت ( أُخْتُكَ ) مريم ( فَتَقُولُ ) لقوم العدو إذ اطلبوا لك حاضنة ومرضعة ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ ) أي يضمن حضانته ورضاعته فقبلوا قولها فجاءت بأمك ( فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ ) مع كونك بيدي العدو ( كَيْ تَقَرَّ ) برؤيتك ( عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ ) بفراقك فهذه منن زائدة على النجاة من القتل ( وَ ) قد مننا عليك بالنجاة من القتل الذي لا يدفع بتلبيس حين ( قَتَلْتَ نَفْساً ) من آل فرعون فاغتممت للقصاص وللعقوبة الأخروية ( فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَ ) لم يكن من هاتين الجهتين فقط بل من جهات كثيرة إذ ( فَتَنَّاكَ فُتُوناً ) كثيرة كحمل أمك إياك في سنة الذبح ومنع الرضاع من غير ثدي أمك وتناول الجمرة ومشى ثمانية مراحل جائعا عطشان ( ف ) كما أنجيناك من غمومها انجيناك من الجهل والاخلاق الرديئة إذ ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ ) ثمانية وعشرين ( فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ) لتتعلم منهم وتتخلق باخلاقهم ( ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ ) أي مقدار من العلوم والاخلاق اجل من أن يحصل بالتعلم والصحبة ( يا مُوسى ) كيف ( وَ ) قد ( اصْطَنَعْتُكَ ) أي اخترتك ( لِنَفْسِي ) أي لاظهار اسرارى إليك لتصير كاملا مكملا ( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ ) الذي كمل بدعوتك ( بِآياتِي ) الدالة على كمال قربك منى وعظمتك عندي ( وَ ) تزداد كمالا بمواظبتك على ذكرى ( لا تَنِيا ) أي لا تضعفا عن الإقامة ( فِي ذِكْرِي ) لأنه يضعفكم عن أداء الرسالة وذكركم إياي يزيدكم قوّة ( اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ ) من غير مبالاة لعظمته ( إِنَّهُ ) لا عظمة له بالحقيقة بل غايته أنه ( طَغى ) لكن لا تزيدا طغيانه بالاغلاظ ( فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً ) فإنه يرجى تأثيره في الطغاة ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ) دلائل صدقكم ( أَوْ يَخْشى ) احتمال صدقكم ( قالا رَبَّنا ) الذي ربانا بهذه الوجوه ( إِنَّنا ) مع هذه التقوية ( نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ ) أي يعجل قبل سماع كلامنا بالعقوبة ( عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ) بالعناد في دفع حججنا ثم يأمر بقتلنا ( قالَ لا تَخافا ) من افراطه وطغيانه ( إِنَّنِي مَعَكُما ) أقرب منه وأقوى ( أَسْمَعُ ) فأمنعه من أن يقول ما تكرهون ( وَأَرى ) فامنعه مما تخافونه ( فَأْتِياهُ ) من غير مبالاة له في جعله مربوبا ( فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ) أرسلنا إليك لترد من غصبتهم منه خواص عباده بنى أخصهم ( فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ) ليكونوا مع سائر خواصه ( وَ ) لو لم ترسلهم ( لا تُعَذِّبْهُمْ ) باستعبادك إياهم ولا تكن غير مبال بامساكهم واستعبادهم بعد تبليغنا رسالته بظهور صدقنا ( قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ ) يعلم بالضرورة انها ( مِنْ رَبِّكَ ) أعطاها