علي بن أحمد المهائمي

18

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )

للدلالة على ما هو الهدى عنده ( وَ ) لا بد من اتباعه إذ ( السَّلامُ ) أي الخلاص عن آفات الضلال موقوف ( عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ) والا فلا سلامة بدلالة دلائل العقل مؤيدة بالنقل ( إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ ) نازل ( عَلى مَنْ كَذَّبَ ) الهدى ( وَتَوَلَّى ) عن العمل به فلما سمع منهما ذلك القول ( قالَ ) ان لم أكن ربكما ( فَمَنْ رَبُّكُما ) فان انتسب هارون إلى غيرى فمن ربك ( يا مُوسى ) مع أن تربيتك كانت على يدي ( قالَ ) موسى ليس المراد التربية العرفية بل الحقيقية ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ ) أي كل ما يصير إلى الوجود ( خَلْقَهُ ) أي وجوده الحادث ( ثُمَّ هَدى ) للاستكمال الذي من جملته التربية المتعارفة ولا يتصوّر ذلك الا من رب العالمين ثم سأله عن ذلك كما ذكر في مواضع أخر ( قالَ ) لو كان اللّه هاديا للكل فما معنى مجيئك لهدايتى فان أردت انه هدى بك ( فَما بالُ ) أي حال ( الْقُرُونِ الْأُولى ) هل هداهم اللّه أم لا ( قالَ ) كان هاديا للكل بحسب حاله وحال المكلف انما يوجب الهداية البيانية وقد كانت لتلك الأمم على ألسن الرسل ثم من اختار منهم الاتباع خلق فيهم الهداية والا فلا وقد خلق الاختيار فيهم بمقتضى استعدادهم إذ ( عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ) أي علم استعدادها وهو مناط القضاء والقدر لذلك هو ( فِي كِتابٍ ) هو اللوح المحفوظ ( لا يَضِلُّ رَبِّي ) لا يترك الحكمة في هذا التقدير بان يقدر اختيار الهداية لمن يستعد لاختيار الضلال وبالعكس ( وَلا يَنْسى ) الاستعدادات فيهم للهداية أو الضلال وان عم هداية البيان إذ هو ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ) لتعلموا انه لا بد لكم من مستقر والدنيا ليست كذلك فالمستقر هو الآخرة ( وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا ) لتعلموا ان للوصول إلى اللّه سبلا مختلفة بعضها هداية وبعضها ضلال ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) لتعلموا ان لكل شئ سببا فالاعمال المنزلة من السماء أسباب السعادة وضدها أسباب الشقاوة ثم أشار إلى أن لأسباب السعادة آثارا مختلفة كما أن للماء آثارا مختلفة من قدرة اللّه تعالى ( فَأَخْرَجْنا بِهِ ) لا بتأثيره بل بتأثير قدرتنا عنده ( أَزْواجاً ) أي أنواعا ( مِنْ نَباتٍ شَتَّى ) مختلفة الأجناس ولو كان للسبب تأثير لامتنع اختلاف الأنواع فضلا عن اختلاف الأجناس كيف لا يكون للسعادة الأخروية أسباب مع أنها رعاية القوة العاقلة وقد راعى سبحانه وتعالى بانزال الماء من السماء رعاية القوة البهيمية لذلك قال ( كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ) وليست الجهة المقصودة بل هي العاقلة وهي وسائل إليها لذلك قال ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) أي للناظرين إلى الغايات واحدى الآيات ما ذكرنا والثانية ان تمهيد الأرض إشارة إلى تمهيد المقدمات وسلوك السبل إلى طرق الاستدلالات من القياسات الاقترانية الحملية والشرطية والاستثنائية والاستقراء والتمثيل وانزال الماء إلى انزال النتائج واخراج أنواع النبات المختلفة الأجناس إلى تثمير النتائج للعلوم المختلفة والثالثة ان تمهيد الأرض إشارة إلى القاعدة الكلية وسلوك السبل إشارة إلى الدلائل العقلية والنقلية وانزال الماء من السماء إلى العلوم الكشفية المثمرة للأمور التي لا تحصل بالاستدلال ومن نظرهم انه ( مِنْها خَلَقْناكُمْ ) خلق النبات من التراب ( وَفِيها نُعِيدُكُمْ ) إعادة البذر إلى الأرض ( وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ ) اخراج