علي بن أحمد المهائمي
12
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
على الفور لئلا تكون ملجئة إلى الايمان ومقتضى ذلك ان ( مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ ) بمقتضى رحمته الداعية له إلى التوبة المستوجبة للرحمة ( مَدًّا ) عظيما لكنهم لا يزالون يزدادون ضلالا ( حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ) من ضرر تلك اللذات ( إِمَّا الْعَذابَ ) على فواتها ( وَإِمَّا السَّاعَةَ ) الآتية بالآلام بدلها فان توقعوا العود حينئذ إلى ما كانوا عليه ( فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً ) لاستقرارهم في مكان الآلام بعد استقرارهم في مقام اللذات ( وَأَضْعَفُ جُنْداً ) حصلوه من جاههم ليدفعوا بهم الشدائد وقد وقعوا في شدائدهم فضعفوا من أن يدفعوها عن أنفسهم ( وَ ) لا يدل هذا على أن الأموال والشهوات شر محض لكن ليس في خلق اللّه ما هو شر محض لأنه ( يَزِيدُ اللَّهُ ) بهذه الأموال والشهوات ( الَّذِينَ اهْتَدَوْا ) أي طلبوا الهداية من كل شئ ( هُدىً ) يصرفها فيما خلقت له ( وَ ) هي وان أفادتهم ثوابا وقربا عند اللّه لا يكون كثواب من تلذذ بالآيات فاكتسب بها الباقيات الصالحات إذ ( الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ) من الاخلاق الفاضلة وهيئات الأعمال الصالحة ( خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ) الذي رباك بتلك الآيات دون الأموال والجاه ( ثَواباً ) يلذهم من الجنة بأعظم من لذاتهم ( وَخَيْرٌ مَرَدًّا ) أي رجوعا يفيدهم من لذات القرب أكثر من إفادة الأموال والجاه في الخيرات ( أَ ) رأيت من ينفى خيرية الباقيات الصالحات على فوائد المال والجاه ( فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا ) العقلية والنقلية الدالة على خيرية الباقيات الصالحات في إفادة اسعادة على إفادة الأموال والأولاد لها إذا صرفا في مصارفهما بل حصرا لسعادة فيهما في الدارين ( وَ ) جزم بحصولهما لنفسه هناك حتى ( قالَ ) واللّه ( لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ) إذا رددت إلى ربى لجريان سنته بذلك في حقي فقال تعالى ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ) فعلم من سنته ان من آتاه مالا وولدا في الدنيا يؤتيه إياهما في الآخرة فجزم بذلك حتى حلف عليه ( أَمِ ) لم يطلع ولكن اتخذ عهد من اطلع عليه من نبي أو ولى في حق نفسه فكأنه ( اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ ) الذي من شأنه ان يرحم لو لم يعهد فكيف إذا أعطى بذلك ( عَهْداً كَلَّا ) زجر عن دعوى الاطلاع وأخذ العهد فإن لم ينزجر إلى أن يموت ( سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ) بحيث لا يمكن محوه ( وَنَمُدُّ لَهُ ) كما مد في هذه الدعوى بعد الزجر ( مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ) فوق مده على مجرد الكفر بآياتنا ( وَ ) لا يقطعه المال والولد إذ ( نَرِثُهُ ما يَقُولُ ) من أن له مالا وولدا فلا يبقيان له حتى يمكنهما قطع العذاب عنه ( وَ ) لا نردهما عليه بعد ما ورثناهما منه بل ( يَأْتِينا فَرْداً ) أي مجردا عنهما ( وَ ) قد علم أكثرهم هذه الفردية وخاف من ذلتها لذلك ( اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً ) تحملوا ذل العبادة لها ( لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) بدل عز المال والأولاد بتقريبها إياهم اليه ( كَلَّا ) زجر لهم عن اعتقاد إفادتها العز لهم فإنه انما يتصوّر لو كانوا مستحقين للعبادة فيمكنهم أن يقولوا عبدنا ليتعززوا بنا عندك فأعزهم بل ( سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ) إذ يخافون على أنفسهم دعوى الشرك في استحقاقها ( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ) لعبادتهم لها ( ضِدًّا ) يريدون اهلاكهم الكلى إذ أوقعوهم في هلاك دعوى الشرك وكيف لا يكفرون بعبادتهم ولا يكونون عليهم بها ضدا مع أنها لم تكن بأمر اللّه بل بأمر أعدائه ( أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ ) مسلطين