ابن ملقن
18
تفسير غريب القرآن
فإذا كان هذا هو حد التفسير وحد التأويل ، فما الفرق بينهما ؟ لقد ذكرنا أن التفسير هو ما يتعلق بالرواية والتأويل هو ما يتعلق بالدراية . فالتفسير معناه في اللغة البيان وكشف المغطى كما مر أي : كشف المراد عن اللفظ المشكل ، والكشف عن مراد اللّه تعالى لا يتأتى إلا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو عن أصحابه الذين عايشوا الوحي وعرفوا حوادثه ووقائعه ورجعوا إلى الرسول الكريم صلوات اللّه عليه في دقائق الأمور ، وفيما التبس عليهم من معاني القرآن الكريم ، فعرفوه منه وهو بين ظهرانيهم . أما التأويل فهو ترجيح واحد من احتمالات اللفظ عن دليل بطريقة الاجتهاد والدراية لعلوم اللغة والمعاناة لنصوص الشريعة وروحها . قال البغوي : « التأويل هو صرف الآية إلى معنى محتمل يوافق ما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط . والتفسير هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل ، وأصل التفسير من التفسرة ، وهي الدليل من الماء الذي ينظر فيه الطبيب فيكشف عن علة المريض ، كذلك المفسّر يكشف عن شأن الآية وقصتها . واشتقاق التأويل من الأول ، وهو الرجوع ، يقال : أوّلته فأوّل ، أي صرفته فانصرف » ا ه « 1 » . قال الراغب : « التفسير أعم من التأويل ، وأكثر استعماله في الألفاظ ، وأكثر استعمال التأويل في المعاني كتأويل الرؤيا ، وأكثره يستعمل في الكتب الإلهية ، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها . والتفسير أكثر ما يستعمل في معاني مفردات الألفاظ . واعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن ، وبيان المراد ، أعمّ من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره ، وبحسب المعنى الظاهر وغيره ، والتأويل أكثر في الجمل .
--> ( 1 ) البغوي ، معالم التنزيل : المقدمة 1 / 35 .