ابن عرفة

356

تفسير ابن عرفة

عندهم لا يكون إلا أعم من الخبر أو متساويا ، فلا يسمى غير الإسلام دينا ، ولا إسلاما بعد نزول هذه الآية ، قال تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً [ سورة النحل : 120 ] مسلما فقال : المراد الإسلام اللغوي ، وهو لمجرد الانقياد وليس المراد الشرعي بوجه ، أو يقال : إن السؤال غير ما قيل ؛ لأنه إنما سماه مسلما على مقتضى شريعته ، وقد كان دينه إذ ذاك يسمى إسلاما ، ولذلك قال فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي من ذلك إما فلفظ التسبيح ، أو يجعل على التعزية والفاء للمصاحبة أو للسبب ، ابن عرفة : فإن قلت : الشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة ، والحمد إما قسيمه أو أعم منه ، والنصر والفتح المنصوص عليها نعم عظيمة ، فهلا قيل : فسبح بشكر ربك ؟ فالجواب أن الحمد صفة من صفات الذات الراجعة لها ، وحمد اللّه لذاته أولى من حمده لفعله ، كما أن عبادة اللّه تعالى لذاته أولى من عبادته لإنعامه ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بأشرف الأمور ، وهو أن تسبيحه مصاحبا لحمده المتعلق بذاته ؛ لأنه أهل لأن يحمد ، والمراد بالتسبيح خاص بالنبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلّم من جعل النصر والفتح خاصين له ، وأما من جعلهما تامين في كل أمر ؛ فالخطاب أيضا بذلك لكل من انتصر وافتتح البلاد . وقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْهُ إن أريد به كل إنسان فهو على حقيقته ، وإن أريد النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم فهو على معنى يليق به باعتبار الانتقال من مقام إلى مقام أعلى منه . قوله تعالى : إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً . ولم تزل والتواب إما صفة فعل أو صفة معنى ؛ لأنه إن أريد به الذي يخلق التوبة لعباده ، فهو صفة فعل ، وإن أريد به القبول والصفح عن الجرائم المتقدمة فهو حكم شرعي ، والحكم الشرعي هو خطاب اللّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الاقتضاء والتخيير ، وخطاب القديم الأزلي فيرجع إلى صفة المعنى فهو فعلي أو قولي معنوي يصح الأمران ، وقال الزمخشري : إن كان في الأزمنة الماضية مثل خلق المكلفين توابا عليهم إذا استغفروه . [ 84 / 420 ] قال ابن عرفة : وهذا جار على مذهبه ؛ لأنه ينفي ما قلنا ولا يثبته ، وقال الإمام فخر الدين الخطيب في شرح الأسماء الحسنى : توبة العبد عبارة عن عوده إلى الإحسان اللائق بالربوبية ، قال : وقال الخطابي : التوبة تكون لازمة ومتعدية ، يقال : تاب اللّه على العبد أي وفقه للتوبة ، كما قال تعالى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [ سورة التوبة : 118 ] ، ويقال : تاب اللّه عليه ، أي قبل توبته ، وهي من تسمية الشيء باسم قلائقه يلائمه .