ابن عرفة
192
تفسير ابن عرفة
موسى عليه السّلام قد مات ، فمنعهم أهل الشام من المقام معهم مخافة أن تلحقهم عقوبتهم بعصيانهم أمر موسى عليه السّلام ، لأنهم على يقين من نزول العذاب بهم ، فأخرجوهم من أرضهم فرجعوا إلى أرض الحجاز فاستوطنوها انتهى ، وذكر ابن عطية هذا في سبب إجلاء اليهود من أرض الحجاز ، في قوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ . قوله تعالى : ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا . المناسب أن يكون هذا خطابا خاصا بالمؤمنين ، ولا يدخل فيه النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، لأن ظنه صادق وإن كان لا يعلم من الغيب إلا ما علمه اللّه تعالى ، فظنه وفراسته صادقة . قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ . الزمخشري : هلا قيل : وظنوا أن حصونهم مانعتهم ، فهو أخص من قوله أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ ، وأجاب : بأن في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط توهم بحصانتها ومنعتها إياهم انتهى ، أراد أن التقديم للاهتمام بوصف المنع ، وهذا نص في أن حصونهم مبتدأ ومانعتهم خبره ، واختار أبو حيان أن مانعتهم خبر أن وحصونهم فاعل به ، فإن قلت : هلا كان مانعتهم مبتدأ وحصونهم خبر ، فيجاب عنه بوجهين : الأول : أن المبتدأ يكون أخص من الخبر ، ومانعتهم هنا أعم من الحصون لأنهم لم يحصروا المنع في الحصون ، بل ظنوا أنهم يتمتعون بها وبكثرة عددهم وعددهم وقوتهم ، كما أشار إليه الزمخشري . الثاني : أن مانعتهم اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال ، فإضافته من مخصته على سبيل النزل ، والمراد من رسول اللّه . قوله تعالى : فَأَتاهُمُ اللَّهُ . الزمخشري : وقرأ فأتاهم أي إعطائهم الهلاك انتهى ، وهذا تهكم منهم لا يوافق مذهب الزمخشري . قوله تعالى : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ . عبر بلفظ القذف لحكمة متعلقة ، ولأنه يدل على شدة الرمي والإلقاء ، وهو في مقابلة قوله تعالى : في سورة الفتح هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [ سورة الفتح : 4 ] ، فإن قلت : قد قال تعالى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي