ابن عرفة

193

تفسير ابن عرفة

الْيَمِّ [ سورة طه : 39 ] ، قلت : القذف في التابوت من حيث هو مستقبح تكرهه النفوس البشرية ، وكذا قال : فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ سورة القصص : 7 ] ، بالساحل لما كان الإلقاء في الساحل من اليم محبوبا بنفوس ، وكذلك القذف في اصطلاح الفقهاء ورمي الإنسان بما يكرهه على وجه خاص ، فقوله : [ . . . . . ] . قوله يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ ، هذا من باب الاستدلال بالمسبب على السبب ، لأن حصول الرعب في قلوبهم سبب في تخريبهم بيوتهم ، وينبغي أن يكون التقدير ويخربونها بأيدي المؤمنين ، وإلا لزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، لأن تخريبهم بيوتهم بأيديهم حقيقة وأيدي المؤمنين مجازا على ما قلناه يلزم الإضمار ، وقد قالوا : إذا تعارض المجاز والإضمار ، فالإضمار أولى وأحرى ، أو كان المجاز مختلفا فيه ، فإن استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه مختلف فيه ، وذكر ابن عطية هنا سبب الجلاء قال : أخبر اللّه تعالى في الآية أنه كتب على بني إسرائيل الجلاء ، وكانت بني النضير ممن حل بالحجاز بعد موت موسى عليه السّلام بيسير ، لأنهم كانوا من الجيش الذي رجع في أن لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق لحاله وعقله ، وقد كان موسى عليه السّلام قال : لا تسيحيوا أحدا منهم فلما رجع ذلك الجيش إلى بني إسرائيل ، وجدوا موسى نبيا ، وقال لهم بنو إسرائيل : أنتم عصاة اللّه لا دخلتم علينا بلادنا ، فقال أهل ذلك الجيش : ليس لنا أحسن من البلاد التي غلبنا أهلنا ، فانصرفوا إلى الحجاز فكانوا فيه فليجر عليهم الجلاء الذي أجراه ، بحيث نصر على أهل الشام ، وقد كان اللّه كتبه في الأزل على نبي إسرائيل جلائنا لهم ، هذا الجلاء على يد نبينا محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالسيف والقتل [ . . . ] غيرهم انتهى ، هذا الخبر في نفسه يتفق ولكنه لا ينزل على لفظ الآية لاقتضاء الآية أن بني قريظة والنضير لم يعذبوا بالسيف بل أخرجوا من بلادهم ، والخبر يقتضي أنهم قوتلوا واستؤصلوا ولم يبق منهم أحد ، فإن قلت : هؤلاء ذريتهم ، قلت : اقتضى الخبر استئصال جميعهم ، ويجاب بما ذكر ابن عطية بعد هذا من أن [ . . . . . ] أهل قريظة ونفاهم إلى الشام ، ثم رجع بعضهم فيحتمل أن يكون هؤلاء هم الذين أخرجوا ولم يعذبوا بالسيف من بني النضير ، وبقايا بني النضير قريظة ، والصواب الوقف على قوله فِي الدُّنْيا ، خشية أن يتوهم دخول ما بعده في جواب لولا ، فيكونوا في الآخرة غير معذبين ، واستدل الأصوليون بقوله تعالى : فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ، على صحة العمل بالقياس اعتبارا وكل اعتبار مأمور به ، فالقياس مأمور به إما أنه اعتبار فلان ، فالحكم الذي في الأصل معتبر في الفرع ومنقول إليه ، ولكن ينازع الخصم في الكبرى ، وهو كل اعتبار مأمور به فيمنع كليتها .