ابراهيم بن عمر البقاعي

56

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

تكتنفها رذيلتان : إفراط وتفريط ، فالفضيلة هي الصراط المستقيم ، والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله ، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره تاما ، ومن أمالته الشهوات طفىء نوره - أعاذنا اللّه من ذلك ورزقنا حسن الثبات ، وكان ذلك الطفىء في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها ، والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التوحيد ، فإذا مشى طفىء لأن إقراره لا حقيقة له فنوره لا حقيقة له . ولما كان ما ذكر لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، علله بقوله مؤكدا لإنكار الكفار البعث وما تفرع عنه : إِنَّكَ أي وحدك عَلى كُلِّ شَيْءٍ أي يمكن دخول المشيئة فيه قَدِيرٌ * أي بالغ القدرة . ولما ذكر ما تقدم من لينه صلّى اللّه عليه وسلّم لأضعف الناس النساء وحسن أدبه وكريم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على عباد اللّه والرحمة لهم ، وختم بما للمؤمنين من الشرف وللّه من تمام القدرة ، أنتج ذلك القطع بإذلال أعدائهم وإخزائهم فقال مداريا لهم من خطر ذلك اليوم بيد أنصح الخلق ليكون صلّى اللّه عليه وسلّم جامعا في طاعته سبحانه وتعالى بين المتضادات من اللين والشدة والرضى والغضب والحلم والانتقام وغيرها ، فيكون ذلك أدل على التعبد للّه بما أمر به سبحانه وتعالى والتخلق بأوامره وكل ما يرضيه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ مناديا بأداة التوسط إسماعا للأمة الوسطى تنبيها على أنهم المنادون في الحقيقة ، ولأجل دلالتها على التوسط واللّه أعلم كان لا يتعقبها إلا ما له شأن عظيم ، معبرا بالوصف الدال على الرفعة بالإعلام بالأخبار الإلهية المبني على الإحكام والعظمة المثمرة للغلبة ، وأما وصف الرسالة فيغلب فيه الرحمة فيكثر إقباله على اللين والمسايسة نظرا إلى وصف الربوبية : جاهِدِ الْكُفَّارَ أي المجاهرين بكل ما يجهدهم فيكفهم من السيف وما دونه ليعرف أن الأسود إنما اكتسبت من صولتك ، فيعرف أن ذلك اللين لأهل اللّه إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك ، وكبير حلمك وخوفك من اللّه ونبلك : وَالْمُنْفِقِينَ أي المساترين بما يليق بهم من الحجة إن استمروا على المساترة ، والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة وَاغْلُظْ أي كن غليظا بالفعل والقول بالتوبيخ والزجر والإبعاد والهجر عَلَيْهِمْ فإن الغلظة عليهم من اللين للّه كما أن اللين لأهل اللّه من خشية اللّه ، وقد أمره سبحانه باللين لهم في أول الأمر لإزالة أعذارهم وبيان إصرارهم ، فلما بلغ الرفق أقصى مداه جازه إلى الغلظة وتعداه ، وقد بان بهذه الآية أن أفعل التفضيل في قول النسوة لعمر رضي اللّه عنه : « أنت أفظ وأغلظ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » على بابه ولا محذور .