ابراهيم بن عمر البقاعي
57
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان انتقام الولي من العدو إنما هو للّه سبحانه وتعالى ، لاحظ له فيه ، فكان موجبا لعدم اكتفاء اللّه به في حق الولي ، فكان التقدير : فإنهم ليس لهم عصمة ولا حرمة في الدنيا ولا قوة وإن لاح في أمرهم خلاف ذلك ، عطف عليه قوله : وَمَأْواهُمْ أي في الآخرة جَهَنَّمُ أي الدركة النارية التي تلقى داخلها بالعبوسة والكراهة . ولما كان التقدير : إليها مصيرهم لا محالة ، عطف عليه قوله : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أي هي ، فذلك جزاء اللّه لهم عن الإساءة إلى أوليائه والانتقاص لأحبائه . [ سورة التحريم ( 66 ) : آية 10 ] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 ) ولما كان أمر الاستئصال في الإنجاء والإهلاك أشبه شيء بحال أهل الآخرة في الدينونة بالعدل والفضل ، وكان المفتتح به السورة عتاب النساء ، ثم أتبع بالأمر بالتأديب لجميع الأمة إلى أن ختم بهلاك المخالف في الدارين ، وكان للكفار قرابات بالمسلمين وكانوا يظنون أنها ربما تنفعهم ، وللمسلمين قرابات بالكفار وكانوا ربما توهموا أنها تضرهم ، قال مجيبا لما يتخيل من ذلك تأديبا لمن ينكر عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من النساء وغيرهن : ضَرَبَ اللَّهُ أي الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما مَثَلًا يعلم به من فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي غطوا الحق على أنفسهم وعلى غيرهم سواء كانوا مشاققين أو منافقين في عدم انتفاعهم مع كفرهم بما بينهم وبين المؤمنين من الوصل والعلائق فيغلظ عليهم في الدارين معاملة بما يستحقون من غير محاباة لأحد وإن جل مقامه ، وعلا منصبه ومرامه ، لأن الكفر قاطع للعلائق بين الكافر والمسلم : امْرَأَتَ نُوحٍ الذي أهلك اللّه من كذبه بالغرق ونصره وآواه عليه الصلاة والسّلام وكان اسمها فيما يقال واعلة وَامْرَأَتَ لُوطٍ الذي أهلك اللّه أيضا من كذبه بالحصب والخسف والإغراق ، واسمها فيما قيل واهلة ، ودل على وجه الشبه بقوله : كانَتا أي مع كونهما كافرتين . ولم يقل : تحتهما ، بل أظهر بالوصف العبودية المضافة إليه سبحانه وتعالى والوصف بالصلاح لأن ذلك أفخم ، فيكون أشد تأثيرا للموعوظ وأعظم ، ودفعا لأن يتوهم أحد بشيء لا يليق بمقامها عليهما الصلاة والسّلام فقال : تَحْتَ عَبْدَيْنِ أي كل واحدة منهما تحت عبد ، وعبر بذلك لأن أثر الناس عند الملك كما تقدم عبيده ، ودل على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله : مِنْ عِبادِنا . ولما كانت طبقات القرب متفاوتة بحسب الصلاح قال : صالِحَيْنِ وهما نوح