ابراهيم بن عمر البقاعي

78

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

تُبَّعٍ أي الذين ملك بهم تبع الأرض بطولها والعرض وحير الحيرة وبنى قصر سمرقند وكان مؤمنا ، وقومه حمير ومن تبعهم أقرب المهلكين إلى قريش زمانا ومكانا . وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من الآثار ، وقال الرازي في اللوامع : هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق . وقال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار لما قتل ابنه غيلة بالمدينة الشريفة وما وعظته به اليهود في الكف عن إخراب المدينة لأنها مهاجر نبي من قريش : فصدقهم وتبع دينهم ، وذلك قبل نسخه ، وقال عن الرقاشي : آمن تبع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يبعث بسبعمائة عام ، وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا . ولما كان ذلك في سياق التهديد بالإهلاك لأجل مخالفتهم ، وكان الإهلاك لذلك إنما كان لبعض من تقدم زمانهم لا لجميع الخلق ، أدخل الجار فقال : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من مشاهير الأمر كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد . ولما كان كأنه قيل : ما لهؤلاء الأمم ؟ قيل : أَهْلَكْناهُمْ أي بعظمتنا وإن كانوا عظماء لا يعشرهم هؤلاء فيما لهم من المكنة لقطعهم من أمر اللّه به أن يوصل من الرسل وأتباعهم ، وتكذيبهم بما أتوا به ، ولذلك علل الإهلاك تحذيرا للعرب بقوله مؤكدا لظنهم أن هلاكهم إنما هو على عادة الدهر : إِنَّهُمْ كانُوا أي جبلة وطبعا مُجْرِمِينَ * أي عريقين في الإجرام ، فليحذر هؤلاء إذا ارتكبوا مثل أفعالهم من مثل حالهم وأن يحل بهم ما حل بهم . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 38 إلى 45 ] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 ) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 40 ) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 41 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 42 ) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعامُ الْأَثِيمِ ( 44 ) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) ولما كان التقدير للاستدلال على الجزاء الذي جامعه التكفل بجميع أنحائه يوم القيامة : فإنا ما خلقنا الناس عبثا يبغي بعضهم على بعض ثم لا يؤاخذون ، عطف عليه ما هو أكبر في الظاهر منه فقال : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ أي على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها ، وجمعها لأن العمل كلما زاد كان أبعد من العبث مع أن إدراك تعددها مما يقتضي المشاهدة بما فيها من الكواكب ، ووحد في سورة الأنبياء تخصيصا بما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته لما ذكر هناك من اختصاص « لدن » بما بطن .