ابراهيم بن عمر البقاعي

79

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان الدليل على تطابق الأراضي دقيقا وحدها فقال : وَالْأَرْضَ أي على ما فيها من المنافع وَما بَيْنَهُما أي النوعين وبين كل واحدة منهما وما يليها لاعِبِينَ * أي على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص ، ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعبا ، بل اللعب أخف منه ، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين لصفة القدوسية ، فإنه « لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها بالحق من قويها غير متعتع » « 1 » - رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وابن جميع في معجمه عن جابر ، وصاحب الفردوس عن أبي موسى رضي اللّه عنهم رفعوه ، وهو شيء لا يرضى به لنفسه أقل حكام الدنيا ، فكان هذا برهانا قاطعا على صحة الحشر ليظهر هناك الفصل بالعدل والفضل . ولما نفى أن يكون خلق ذلك اللعب الذي هو باطل ، أثبت ما خلقه له ولم يصرح بما في البين لأنه تابع ، وقد نبه عليه ما مضى ، فقال مستأنفا : ما خَلَقْناهُما أي السماوات والأراضي مع ما بينهما إِلَّا بِالْحَقِّ من الحكم بين من فيهما ، فمن عمل الباطل عاقبناه ومن عمل الحق أثبناه ، وبذلك يظهر غاية الظهور إحاطتنا بجميع أوصاف الكمال كما نبهنا عليه أهل الكمال في هذه الدار بخلقهما الذي واقعه مطابق للحق ، وهو ما لنا من تلك الصفات المقتضية للبعث لإحقاق الحق وإبطال الباطل بما لا خفاء فيه عند أحد . ولما كان أكثر الخلق لا يعلم ذلك لعظمته عن النظر في دليله وإن كان قطعيا بديهيّا قال : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي أكثر هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون : إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وكذا من نحا نحوهم لا يَعْلَمُونَ * أي أنا خلقنا الخلق بسبب إقامة الحق فهم لأجل ذلك يجترئون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا ، ولو تذكروا ما ركزناه في جبلاتهم لعلموا علما ظاهرا أنه الحق الذي لا معدل عنه كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم ، ويشرطون الحكم بالحق ، ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه . ولما كان كأنه قيل : إنا نرى أكثر المظلومين يموتون بمرير غصصهم مقهورين ، وأكثر الظالمين يذهبون ظافرين بمطالبهم مسرورين ، فمتى يكون هذا الحق ؟ قال جوابا لذلك مؤكدا لأجل

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه ابن ماجة 2426 من حديث أبي سعيد بأتم منه وقال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح رجاله ثقات ، وأخرجه البيهقي في الشعب 7548 من حديث بريدة و 7549 من حديث جابر ، وكلا الإسنادين غير قوي لكن يصلحان للاعتبار .