ابراهيم بن عمر البقاعي

615

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

جميع نوائبه ، وأقبل عليه بكل همومه ، وبذل نفسه له بذل من يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلا فاستراح من المخاوف ، ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حرا . ولما حذر من الإقبال على الدنيا ، رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال : وَأَنْفِقُوا أي ما أمرتم به من واجب أو مندوب ، وزاد في الترغيب بالرضى منهم باليسير مما هو كله له بقوله : مِنْ ما رَزَقْناكُمْ أي من عظمتنا وبلغ النهاية في ذلك بالرضا بفعل ما أمر به مع التوبة النصوح في زمن ما ولو قل بما أرشد إليه إثبات الجار ، فقال مرغبا في التأهب للرحيل والمبادرة لمباغتة الأجل ، محذرا من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة : مِنْ قَبْلِ وفك المصدر ليفيد « أن » مزيد القرب فقال : أَنْ يَأْتِيَ ولما كان تقديم المفعول كما تقدم في النساء أهول قال : أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي برؤية دلائله وأماراته ، وكل لحظة مرت فهي من دلائله وأماراته . ولما كانت الشدائد تقتضي الإقبال على اللّه ، سبب عن ذلك بقوله : فَيَقُولَ سائلا في الرجعة ، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله : رَبِّ لَوْ لا أي هل لا ولم لا أَخَّرْتَنِي أي أخرت موتي إمهالا لي إِلى أَجَلٍ أي زمان ، وبين أن مراده استدراك ما فات ليس إلا بقوله : قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله ، قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء : قال بعض العارفين : إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة ، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه ، يقول : يا ملك الموت ! أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي وأتوب وأتزود فيها صالحا لنفسي ، فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة ، فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه في شراسيفه ويتجرع غصة البأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر ، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال ، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من اللّه الحسنى خرجت روحه على التوحيد ، فذلك حسن الخاتمة ، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ باللّه تعالى خرجت روحه على الشك والاضطراب ، وذلك سوء الخاتمة ، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين : أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو ، الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو ، فيأتي اللّه تعالى بقلب غير سليم ، والقلب أمانة اللّه عند عبده ، قال بعض العارفين : إن للّه تعالى إلى عبده سرين على سبيل الإلهام : أحدهما إذا خرج من بطن أمه