ابراهيم بن عمر البقاعي

616

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني ، والثاني عند خروج روحه يقول : عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب . ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ليكون أفضل ، أو يكون إدغامها اختصارا لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى الإيجاز في القول كما طلب في الزمن ، ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو وَأَكُنْ بالجزم عطفا على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره ، فإن حال هذا الذي أشرف هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن « أخرتني أتصدق » ولكنه حذفه لضيق المقام عنه واقتضاء الحال لحذفه ، وهو معنى ما حكاه سيبويه عن الخليل أن الجزم على توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع ، فإن الجازم غير موجود ، ومعنى ما قال غيره أن « لولا » لكونها تحضيضية متضمنة معنى الأمر ومعنى الشرط ، فكأنه قيل : أخرني ، فيكون جوابه العاري عن الفاء مجزوما لفظا والمقرون بها مجزوما محلا ف « أكن » عطف على المحل ، ونصب أبو عمرو عطفا على اللفظ لأنه جواب التمني الذي دلت عليه « لولا » وإجماع المصاحف على حذف الواو لا يضره لأنه قال : إنها للاختصار ، وهو ظاهر ، وذلك للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان والمراد ، ومن هنا تعرف جلالة القراء ومرادهم إن شاء اللّه تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن توافق رسم المصحف ولو احتمالا مِنَ الصَّالِحِينَ * أي العريقين في هذا الوصف العظيم ، وزاد في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله مؤكدا لأجل عظيم الرجاء من هذا المحتضر للتأخير عطفا على ما تقديره : فلا يؤخره اللّه فيفوته ما أراد : وَلَنْ ويجوز أن تكون الجملة حالا أي قال ذلك والحال أنه لن يُؤَخِّرَ اللَّهُ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه نَفْساً أي أيّ نفس كانت ، وحقق الأجل بقوله : إِذا جاءَ أَجَلُها أي وقت موتها الذي حده اللّه لها فلا يؤخر اللّه نفس هذا القائل لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي . ولما كان المعنى على طريق النتائج التي لا شك في إرشاد اللفظ إليها : اللّه عالم فإنه يقول ذلك ، عطف عليه قوله حاثا على المسارعة إلى الخروج عن عهدة الطاعات والاستعداد لما لا بد منه من اللقاء محذرا من الإخلال ولأنه لا تهديد كالعلم : وَاللَّهُ أي الذي له الإحاطة الشاملة علما وقدرة خَبِيرٌ أي بالغ الخبرة والعلم ظاهرا وباطنا بِما تَعْمَلُونَ * أي توقعون عمله في الماضي والحال والمآل كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر العاصي يقوله ومن غيره منه ومن غيره أيها الناس - هذا على قراءة الجمهور بالخطاب ، وعلى قراءة أبي بكر عن