ابراهيم بن عمر البقاعي

593

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الكاتب والعالم وإن كانوا معمورين في كثرتهم فما خصه عنهم بذلك إلا القادر على كل شيء . ولما كان المقام للتنزيه ولتأديب من وقع في موادة الكفار ونحو ذلك ، قدم التزكية فقال : وَيُزَكِّيهِمْ أي عن الأخلاق الرذيلة والعقائد الزائغة ، فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم وتعليمه لهم وتلاوته عليهم ، فربما نظر إلى الإنسان نظرة محبة فزكاه اللّه بها ، وربما سرت تلك النظرة إلى ثان فأشرقت أنوارها عليه على حسب القابليات كما وقع لعمير بن وهب ثم صفوان بن أمية وكذا ذو النور الطفيل بن عامر الدوسي رضي اللّه عنه ثم قومه ، فأما عمير فكان من أعظم المؤذين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولمن آمن به فتذاكر مع صفوان وقعة بدر في الحجر ومن فقدوا من صناديدهم وأنه ليس في العيش بعدهم خير ، ثم تمنوا رجلا بقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال عمير : لولا فقري وبنات لي وعيال أخشى عليهم الضيعة من بعدي لأتيته بغلة أسيري عندهم فقتلته ، فاغتنمها صفوان فعاهده أن يكفي عياله إن مات وأن يواسيه إن عاش ، فقال : اكتم عني ثلاثا ، ثم ذهب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهداه اللّه فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا ، فلما فتحت مكة فر صفوان ليركب البحر من جدة ، فاستأذن عمير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم ذهب إليه فلحقه فلم يزل به حتى رجع ثم أسلم فكان من خيار الصحابة رضي اللّه عنه ، وأما ذو النور فحين دعاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم سأل آية يعينه اللّه بها على قومه فآتاه اللّه نورا حين أشرف على الحي الذي هو منه ، ثم دعا أباه وأمه فأسلما ، ثم صاحبته فكذلك ثم قومه ، فما تخلف منهم أحد ، وأما غير الصحابة رضي اللّه عنهم فتزكيته لهم بآثاره بحسب القابليات والأمور التي قضى اللّه أن يكون مهيأ ، فمن كان له أعشق كان لاتباعه ألزم ، فكان في كتاب اللّه وسنته أرسخ من سيرة وغيرها علما وعملا فكان أشد زكاء . ولما كانوا بعد التزكية التي هي تخلية عن الرذائل أحوج ما يكون إلى تحلية بالفضائل قال : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى وَالْحِكْمَةَ وهي غاية الكتاب في قوة فهمه والعمل به ، فهي العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم معقوله ومنقوله ليضعوا كل شيء منه في أحكم مواضعه فلا يزيغوا عن الكتاب كما زاغ بنو إسرائيل ، فيكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا ولو لم يكن له صلّى اللّه عليه وسلّم معجزة إلا هذه لكانت غاية . ولما كان الوصف بالأمية مفهما للضلال ، وكان كثير منهم حال إنزال هذه السورة يعتقد أنهم على دين متين وحال جليل مبين ، وكانوا بعد هدايته لهم بعد الأمية سيضلون لأن الإرسال من حضرة غيب الغيب في العلوم المنافية للأمية إلى ما لم تصل إليه أمة