ابراهيم بن عمر البقاعي
594
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
من الأمم قبلهم ، وكان ذلك موجبا للتوقف في كونهم كانوا أميين ، أكد هذا المفهوم بقوله : وَإِنْ أي والحال أنهم كانُوا أي كونا هو كالجبلة لهم . ولما كان كونهم ذلك في بعض الزمن الماضي ، أدخل الجار فقال : مِنْ قَبْلُ أي قبل إرساله إليهم من حين غيروا دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسّلام وعبدوا الأصنام لَفِي ضَلالٍ أي بعد عن المقصود مُبِينٍ * أي ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة وظنهم أنهم على شيء وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختيارهم له وعيبهم من يميل إلى التعلم وينحو نحو التبصر كما وقع لهم مع زيد بن عمرو بن نفيل وغيره ، فوصفهم بهذا غاية في نفي التعلم من مخلوق عن نبيهم إعظاما لما جاء به من الإعجاز وتقريرا لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم إلى الهدى ، وينقذهم مما كانوا فيه من العمى والردى . ولما كانت تزكيته لهم مع أميتهم وغباوتهم لوصف الأمية في الجهل أمرا باهرا في دلالته على تمام القدرة ، زاد في الدلالة على ذلك بإلحاق كثير ممن في غيرهم من الأمم مثلهم في الأمية بهم فقال : وَآخَرِينَ أي وبعثه في آخرين مِنْهُمْ في الأمية لا في العربية لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ أي في وقت من الأوقات الماضية في صفة من الصفات ، بل هم أجلف الناس كعوام المجوس واليهود والنصارى والبرابر ونحوهم من طوائف العجم الذين هم ألكن الناس لسانا وأجمدهم أذهانا وأكثفهم طبعا وشأنا ، وسيلحقهم اللّه بهم في العلم والتزكية . ولما كان عدم إلحاقهم بهم في الماضي ربما أوهم شيئا في القدرة ، وإلحاقهم بهم في المستقبل في غاية الدلالة على القدرة ، قال : وَهُوَ أي والحال أنه وحده الْعَزِيزُ الذي يقدر على كل شيء ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما أراد من أيّ طائفة كان ، ولو كان أجمد أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده الْحَكِيمُ * فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها فلا يستطاع نقضه ، ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطلق رده بوجه ، ويكون المراد بالآخرين العجم ، وأن اللّه تعالى سيلحقهم بالعرب ، قال ابن عمر رضي اللّه عنهما وسعيد بن جبير أيضا رضي اللّه عنه وهو رواية ليث عن مجاهد ويؤيده ما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رجلا سأل عنهم لما نزلت سورة الجمعة فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يده على سلمان رضي اللّه عنه وقال : « لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4898 و 4897 ومسلم 2546 والترمذي 330 و 3933 وابن حبان 7308 وأبو نعيم 1 / 2 وأحمد 2 / 417 من حديث أبي هريرة .