ابراهيم بن عمر البقاعي

498

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

من مهماته ، وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ضرر ولا ضرار » « 1 » ، وقال : « أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول » « 2 » . وقال : « شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه » « 3 » . فقال تعالى معظما لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وناهيا عن إبرامه صلّى اللّه عليه وسلّم بالسؤال والمناجاة ، ونافعا للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ، ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام ، وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره ، وكان ذلك مفهما أن مناجاتهم له صلّى اللّه عليه وسلّم لا حرج فيها ، وكان كثير منهم يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ويشاكله في الأخلاق ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبعد الناس من الدنيا تقذرا لها لأجل بغض اللّه لها ، أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا والإقبال على اللّه ، ومظهرا له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان على الصدق في الإيمان ، وليخفف عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كانوا قد أكثروا عليه من المناجاة ، فلا يناجيه إلا من قد خلص إيمانه فيصدق ، فيكون ذلك مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد « نعم الهدية أمام الحاجة » « 4 » فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء إِذا ناجَيْتُمُ أي أردتم أن تناجوا الرَّسُولَ صلّى اللّه عليه وسلّم أي الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك وتكون هيبته مانعة من ابتدائه بالكلام ، فلا يكون من المبلغين إلا الفعل بالامتثال لا غير فَقَدِّمُوا أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل الوجوب ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج أن يطهر نفسه ليتأهل للقرب من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ أي قبل سركم الذي

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة 2341 والدارقطني 4 / 228 والطبراني في الكبير 11 / ( 11576 ) وأحمد 1 / 313 من حديث ابن عباس . - وأخرجه الحاكم 2 / 57 - 58 والدارقطني 4 / 228 من حديث أبي سعيد الخدري . - وأخرجه ابن ماجة 2340 من حديث عبادة وكل هذه الطرق لا تخلو من مقال إلا أن بعضها يقوي بعضا . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 117 والنسائي 8 / 274 وابن حبان 1033 والحاكم 1 / 532 وأحمد 2 / 346 من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي . - وله شاهد من حديث عقبة بن عامر أخرجه الطبراني 17 / ( 810 ) تنبيه : صدر الحديث : « اللهم إني أعوذ بك . . . » . ( 3 ) أخرجه البخاري 6016 ومسلم 46 وأحمد 2 / 288 من حديث أبي هريرة . ( 4 ) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات 3 / 91 من حديث أنس ونقل عن الدارقطني قوله : هو باطل عن مالك لا يصح عنه .