ابراهيم بن عمر البقاعي

499

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

تريدون أن ترتفعوا به صَدَقَةً تكون لكم برهانا قاطعا على إخلاصكم كما ورد أن الصدقة برهان ، فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق باللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وبكل ما جاء به عن اللّه تعالى ، ومعظمه الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، ولذلك استأنف قوله : ذلِكَ أي الخلق العالي جدا من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق ، ولعله أفرده بالخطاب لأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره . وعاد إلى الأول فقال : خَيْرٌ لَكُمْ أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة وَأَطْهَرُ لأن الصدقة طهرة ونماء وزيادة في كل خير ، ولذلك سميت زكاة خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله بالإيمان . ولما أمر بذلك ، وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده لا سيما هذه الأمة قال : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا أي ما تقدمونه . ولما كان المعنى الكافي في التخفيف : فليس عليكم شيء ، دل عليه بأحسن منه فقال : فَإِنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال ، وأكده لاستبعاد مثله فإن المعهود من الملك إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطع أصلا ورأسا ، ولا سيما إن كان يسيرا ، ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة بقوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ * أي له صفتا الستر للمساوىء والإكرام بإظهار المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما يخف ، وهذه الآية قيل : إنها نسخت قبل العمل بها ، وقال علي رضي اللّه عنه : ما عمل بها أحد غيري ، أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم ، ثم ظهرت فشق ذلك على الناس ، فنزلت الرخصة في ترك الصدقة ، وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال : حسن غريب وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : لما نزلت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مرهم أن يتصدقوا » ، قلت : بكم يا رسول اللّه ؟ قال : « بدينار » ، قلت : لا يطيقون . قال : « فنصف دينار » ، قلت : لا يطيقون ، قال : « فبكم ؟ » قلت : بشعيرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنك لزهيد » ، فأنزل اللّه تعالى أَ أَشْفَقْتُمْ الآية . وكان علي رضي اللّه عنه يقول : بي خفف اللّه عن هذه الأمة « 1 » . وعدم عمل غيره

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي 3300 والنسائي في الكبرى 8537 وابن حبان 6941 و 6942 والعقيلي في الضعفاء 3 / 343 وأبو يعلى 400 من حديث علي ، وإسناده وضعيف علي بن علقمة الأنماري لم يرو عنه غير سالم بن أبي الجعد وضعفه العقيلي وابن الجارود والذهبي ، وقال البخاري : في حديثه نظر ا ه . - وورد بنحوه عند الطبراني 331 وأحمد 1 / 185 من حديث سعد بن أبي وقاص مختصرا . قال الهيثمي : وفيه سلمة الأبرشي وثقة ابن معين وغيره ، وضعفه البخاري وغيره ا ه . وفيه أيضا ابن إسحاق مدلس ، وقد عنعنه .