ابراهيم بن عمر البقاعي

497

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بقوله مرغبا مرهبا : وَاللَّهُ أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما بِما تَعْمَلُونَ أي حال الأمر وغيره خَبِيرٌ * أي عالم بظاهره وباطنه ، فإن كان العلم مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن كانت الرفعة على حسبه ، وإن كان على غير ذلك فكذلك ، وقدم الجار ومدخوله وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيها على مزيد الاعتناء بالأعمال ، لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم ، لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع ، ولا يخفى ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس ، فكان جديرا بمزيد الترهيب ، وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى لما يقول صاحب المجلس . كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ليليني أولو الأحلام منكم والنهى » « 1 » ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق غيرهم إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : السّلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته ، فرد عليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفعلوا فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان وأنت يا فلان ، فأقام من المجلس بقدر القادمين من أهل بدر ، فشق ذلك على من أقيم ، وعرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الكراهية في وجوههم ، فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن صاحبكم يعدل ، فواللّه ما عدل على هؤلاء ، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم ، فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن افسحوا يفسح اللّه لكم » « 3 » رواه مسلم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، وقال الحسن : بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قاتل المشركين فصف أصحابه رضي اللّه عنهم للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول الرجل لإخوانه : توسعوا لنلقى العدو فنصيب الشهادة ، فلا يوسعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة « 4 » ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وهي دالة على أن الصالح إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير

--> ( 1 ) أخرجه مسلم 432 وأبو داود 675 والترمذي 228 وابن حبان 2180 والطبراني 10041 وأحمد 1 / 475 من حديث ابن مسعود . ( 2 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 308 من قول مقاتل . ( 3 ) أخرجه البخاري 6270 ومسلم 2177 وأبو داود 4828 والترمذي 2749 وأحمد 2 / 124 من حديث ابن عمر . وفي الباب من حديث جابر عند مسلم 2178 والبيهقي 3 / 233 . ( 4 ) ذكره البغوي في تفسيره عند هذه الآية عن الحسن البصري من قوله .