ابراهيم بن عمر البقاعي
329
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مدة من العمر بخلاف ذلك فإنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك وأنتم لا تعلمون إلا ما يكون في أنفسكم حال كونه أنكم لا تحيطون به إذ ذاك علما . ولما كان من عادة من سلم من الذنوب أن يفتخر على من قارفها لما بني الإنسان عليه من محبة الفخر لما جبل عليه من النقصان ، وكان حاله قد يتبدل فيسبق عليه الكتاب فيشقى ، سبب عن ذلك قوله : فَلا تُزَكُّوا أي تمدحوا بالزكاة وهو البركة والطهارة عن الدناءة أَنْفُسَكُمْ أي حقيقة بأن يثني على نفسه فإن تزكيته لنفسه من علامات كونه محجوبا عن اللّه - قال القشيري - أو مجازا بأن يثني على غيره من إخوانه فإنه كثيرا ما يثني بشيء فيظهر خلافه ، وربما حصل له الأذى بسببه « وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع » « 1 » الحديث ، ولذلك علل بقوله : هُوَ أَعْلَمُ أي منكم ومن جميع الخلق بِمَنِ اتَّقى أي جاهد نفسه حتى حصل فيه تقوى ، فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين ، فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتا . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 33 إلى 38 ] أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 ) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ( 34 ) أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ( 36 ) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ( 38 ) ولما أمره سبحانه بالإعراض عمن تولى عن التشرف بذكر الملك الأعظم واللجاء إليه ، ونهى عن التزكية للجهل بالعواقب ، وكان قد ارتد ناس عن الإسلام ، كان سبب ارتدادهم إخباره صلّى اللّه عليه وسلّم عن بعض ما رأى من الآيات الكبرى ليلة الإسراء ، وكان لما نزلت عليه صلّى اللّه عليه وسلّم سجدة النجم وسجد فيها صلّى اللّه عليه وسلّم سجد معه - كما في البخاري - المسلمون والمشركون والجن والإنس « 2 » ، ولم يكن في ظن أحد من الخلق انقلابهم على أدبارهم بعد حتى ولا في ظن المرتدين ، سبب عن ذلك قوله : أَ فَرَأَيْتَ أي أخبروني الَّذِي تَوَلَّى * أي عن ذكرنا بعد أن كان حريصا عليه ، يظن هو وأهله أنه عريق في أهله بإيمانه وأعماله في أيام إيمانه وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى * أي قطع ذلك العطاء على مكده وقلته وأبطله وأفسده فصار كالحافر الذي وصل في حفره إلى كدية ، يقال لحافر البئر : أجبل - إذا وصل إلى جبل ، وأكدى - إذا وصل إلى كدية أي صفاة عظيمة شديدة لا تعمل فيها المعاول ، فصار لا يقدر معها على شيء من علمه ، ولا يستطيع النفوذ فيها
--> ( 1 ) قد مضى تخريجه مرارا وهو صحيح . ( 2 ) أخرجه البخاري 1070 وأبو داود 1406 من حديث ابن مسعود . - وأخرجه البخاري 1071 و 4862 من حديث ابن عباس .