ابراهيم بن عمر البقاعي

330

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بشيء من حيله ، وقد كان قبل ذلك لما صادف التراب اللين يظن أنه لا يمنعه مانع مما يريد ، فهذا دليل خبري شهودي على أنه لا علم لأحد من الخلق بما حباه اللّه في نفسه فضلا عن غيره ، فلا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه ولا غيره ، قيل : نزلت في الوليد بن المغيرة أسلم ثم ارتد لتعيير بعض المشركين له ، وقوله له « ارجع وأنا أتحمل عنك العذاب » وهي تصلح لكل من ارتد ظاهرا أو نافق أو انهمك في المعاصي بعد إيمانه معرضا عن الأعمال الصالحة . ولما كان هذا - وقد وقع في خطر عظيم من إفساد العمل في الماضي وتركه في المستقبل فصار على خطأ عظيم في أحدهما - يتعلق بأصل الدين : الكفر والإيمان ، وكان مثل هذا لا يفعله عاقل بنفسه إلا عن بصيرة ، قال تعالى موبخا له مقرعا : أَ عِنْدَهُ أي خاصة عِلْمُ الْغَيْبِ أي كله بحيث لا يشاركه فيه مشارك يمكن أن يخفى عليه شيء منه فَهُوَ أي فيتسبب عن ذلك أنه يَرى * أي الرؤية الكاملة فيعلم جميع ما ينفعه فيرتكبه وجميع ما يضره فيجتنبه ويعلم أن هذا القليل الذي أعطاه قد قبل وأمن به من العطب فاكتفى به . ولما كان الغبي قد يظن أن عمل غيره ينفعه ، عبر عنه جامعا للوعظ والتهويل بقوله : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ أي يخبر إخبارا عظيما متتابعا بِما فِي صُحُفِ مُوسى * أي التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه وكذا ما يتبعها من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها . ولما قدم كتاب موسى عليه السّلام لكونه أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس يمكن مراجعته ، قال : وَإِبْراهِيمَ ومدحه بقوله دالا بتشديد الفعل على غاية الوفاء : الَّذِي وَفَّى أي أتم ما أمر به وما امتحن به وما قلق شيئا من قلق ، وكان أول من هاجر قومه وصبر على حر ذبح الولد وكذا على حر النار ولم يستعن بمخلوق ، وخص هذين النبيين لأن المدعين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون متابعة عيسى عليه السّلام ، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السّلام ، ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوة محققة ولا شريعة محفوظة ، ثم فسر الذي في الصحف أو استأنف بقوله : أَلَّا تَزِرُ أي تأثم وتحمل وازِرَةٌ أي نفس بلغت مبلغا تكون فيه حاملة وِزْرَ أُخْرى * أي حملها الثقيل من الإثم ، يعني فمن يحمل عنه أثم أحد الشقين الذي لزمه فلا بد أن يكون آثما وهما قبل التولي وما بعده . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 39 إلى 48 ] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ( 41 ) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى ( 48 )