ابراهيم بن عمر البقاعي

97

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كانت هذه غزوة طار رعبها في الآفاق ، وأذلت أهل الشرك من الأميين وغيرهم على الإطلاق ، ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق ، وأغمدت سيف الكفر وسلت صارم الإيمان للرؤوس والأعناق ، حتى قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أبصر الناس بالحروب ، وأنفذهم رأيا لما له من الثبات عند اشتداد الكروب : « الآن نغزوهم ولا يغزونا » « 1 » ، قال تعالى : وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها أي تغلبوا عليها بتهيئتكم للغلبة عليها وإعطائكم القوة القريبة من فتحها ، وهي أرض خيبر أولا ، ثم أرض مكة ثانيا ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه اللّه بعد ذلك ، وكان قد حكم به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حفر الخندق ، فأراه في الأولى اليمن ، وفي الأخرى فارس ، وفي الأخرى الروم . ولما كان ذلك أمرا باهرا ، سهله بقوله : وَكانَ اللَّهُ أي أزلا وأبدا بما له من صفات الكمال عَلى كُلِّ شَيْءٍ هذا وغيره قَدِيراً أي شامل القدرة . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 28 إلى 31 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ( 28 ) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً ( 31 ) ولما تقرر بهذه الوقائع - التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنة سببها ، وأمور خفية رتبها ، تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة ، والملوك المتجبرة المستكبرة - ما قدم من أنه كافي من توكل عليه ، وأقبل بكليته إليه ، وختم بصفة القدرة العامة الدائمة ، تحرر أنه قادر على كل ما يريده ، وأنه لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض ، وأنه لا يجوز لأحد أن يراعي غيره ولا أن يرمق بوجه ما سواه ، وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما نفع نفسه والفضل لصاحب الدين عليه ، ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على نفسه ، ولا ضرر على الدين بإعراض هذا المعرض ، كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك المقبل ، وكان قد قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراما له ورفعا لمنزلته عن خسيسها إلى نفيس ما عنده ، لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش واضمحلال ، ولا يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال ، فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق إليه ، وأعزهم منزلة

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4109 و 4110 وأحمد 4 / 262 من حديث سليمان بن صرد .