ابراهيم بن عمر البقاعي

98

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لديه ، المعلوم امتثاله للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ما سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف ، والقناعة والعفاف ، بتخيير ألصق الناس به تأديبا لكافة الناس ، فقال على طريق الاستنتاج مما تقدم : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ذاكرا صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام بأسرار القلوب ، وخفايا الغيوب ، المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من المعارف ، ولا يعلق عن شيء من ذلك بشيء من أذى : قُلْ لِأَزْواجِكَ أي نسائك : إِنْ كُنْتُنَّ أي كونا راسخا تُرِدْنَ أي اختيارا عليّ الْحَياةَ ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال : الدُّنْيا أي ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة وَزِينَتَها أي المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه ، لأنها قاطعة عنه فَتَعالَيْنَ أصله أن الآمر يكون أعلى من المأمور ، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ثم كثر حتى صار معناه : أقبل ، وهو هنا كناية عن الإخبار والإراداة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره أُمَتِّعْكُنَّ أي بما أحسن به إليكن وَأُسَرِّحْكُنَّ أي من حبالة عصمتي سَراحاً جَمِيلًا * أي ليس فيه مضارة ، ولا نوع حقد ولا مقاهرة وَإِنْ كُنْتُنَّ بما لكن من الجبلة تُرِدْنَ اللَّهَ أي الآمر بالإعراض عن الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال وَرَسُولَهُ المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين لا يدع منه شيئا ، لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن اللّه وَالدَّارَ الْآخِرَةَ التي هي الحيوان بما لها من البقاء ، والعلو والارتقاء . ولما كان ما كل من أظهر شيئا كان عالي الرتبة فيه ، قال مؤكدا تنبيها على أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعا لظن من يغلب عليه حال البشر فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم ، أو يعمل عمل من يظن ذلك أو يستبعد وقوعه في الدنيا أو الآخرة : فَإِنَّ اللَّهَ أي بما له من جميع صفات الكمال أَعَدَّ في الدنيا والآخرة لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أي اللاتي يفعلن ذلك وهن في مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره أَجْراً عَظِيماً * أي تحتقر له الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة . ولما أتى سبحانه بهذه العبارة الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ترهيبا في ترغيب ، أحسن كلهن وحققن بما تخلقن به أن من للبيان ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عرض عليهن رضي اللّه عنهن ذلك ، وبدأ بعائشة رضي اللّه عنها رأس المحسنات إذ ذاك رضي اللّه عنها وعن أبيها وقال لها : « إني قائل لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك » « 1 » ،

--> ( 1 ) أخرجه أحمد 6 / 78 و 163 و 153 و 185 و 248 و 264 والبخاري 4785 و 4786 عن عائشة رضي اللّه عنها .