ابراهيم بن عمر البقاعي

74

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يدل على النقص في حقنا ، وعلى الكمال في حقه ، ودل على التنزيه بالإشارة ليبين فهم الفهماء وعلم العلماء وَهُوَ أي وحده من حيث قوله الحق يَهْدِي السَّبِيلَ * أي الكامل الذي من شأنه أن يوصل إلى المطلوب إن ضل أحد في فعل أو قول ، فلا تعولوا على سواء ولا تلتفتوا أصلا إلى غيره . ولما كان كأنه قيل : فما تقول ؟ اهدنا إلى سبيل الحق في ذلك ، أرشد إلى أمر التبني إشارة إلى أنه هو المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره التي هي المقصودة بالذات بقوله : ادْعُوهُمْ أي الأدعياء لِآبائِهِمْ أي إن علموا ولدا قالوا : زيد بن حارثة ؛ ثم علله بقوله : هُوَ أي هذا الدعاء أَقْسَطُ أي أقرب إلى العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبني والإحسان إليه عِنْدَ اللَّهِ أي الجامع لجميع صفات الكمال ، فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ما هو أقرب إلى الكمال ، وفي هذا بالنسبة إلى ما مضى بعض التنفيس عنهم ، وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة إلى مجموع القولين المتقدمين . ولما كانوا قد يكونون مجهولين ، تسبب عنه قوله : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ لجهل أصلي أو طارىء فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ إن كانوا دخلوا في دينكم وَمَوالِيكُمْ أي أرقاؤكم مع بقاء الرق أو مع العتق على كلتا الحالتين ، ولذا قالوا : سالم مولى أبي حذيفة . ولما نزل هذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام » - أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي اللّه عنهما . ولما كانت عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم ، أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ ، وساقه على وجه يعم ما بعد النهي أيضا فقال : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي إثم وميل واعوجاج ، وعبر بالظرف ليعيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه ، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثما ، ولكنه عفا عنه فقال : فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ أي من الدعاء بالبنوة والمظاهرة أو في شيء قبل النهي أو بعده ، ودل قوله : وَلكِنْ ما أي الإثم فيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ على زوال الحرج أيضا فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان أو سبق اللسان ، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يتعمده بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة ، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينه المتعمد . ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدمه ، عم سبحانه بقوله : وَكانَ اللَّهُ أي لكونه لا أعظم منه ولا أكرم منه غَفُوراً رَحِيماً * أي من صفته الستر البليغ على المذنب النائب ، والهداية العظيمة للضال الآئب ، والإكرام بإيتاء الرغائب .