ابراهيم بن عمر البقاعي
75
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 6 إلى 8 ] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 6 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 7 ) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 8 ) ولما نهى سبحانه عن التبني ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه ، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالا على أن الأمر أعظم من ذلك : النَّبِيُّ أي الذي ينبئه اللّه بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال ، ويرفعه دائما في مراقي الكمال ، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ أي الراسخين في الإيمان ، فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية مِنْ أَنْفُسِهِمْ فضلا عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم ، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم ، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني ، فأيّ حاجة له إلى السبب الجسماني وَأَزْواجُهُ أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته أُمَّهاتُهُمْ أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء ، لأنه لا محذور من جهة النساء ، وذلك في الحرمة والإكرام ، والتعظيم والاحترام ، وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الأحكام ، لا فرق بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلا ، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص ، لأن حق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده ، وهو حي في قبره وهذا أمر جعله اللّه وهو الذي إذا جعل شيئا كان ، لأن الأمر أمره والخلق خلقه ، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني وأنا مولاه » . ولما رد اللّه سبحانه الأشياء إلى أصولها ، ونهى عن التشتت والتشعب ، وكان من ذلك أمر التبني ، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديما من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان الأمر محتاجا إليها ، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال ، وهي قبل هذه السورة ترتيبا ونزولا ، وكان ما ذكر هنا فردا داخلا